أن يعاد تعيين وزير لولاية ثانية على التوالي بنفس الوزارة، قد لا يجد له الكثيرون من تبرير عدا أنه أبان عن مؤهلات عالية، وأحسن تدبير شؤون القطاع المسند إليه بما يلزم من صرامة وحزم… غير أن هذا ما لا نراه ينطبق على وزير الصحة، الحسين الوردي عضو الديوان السياسي بحزب التقدم والاشتراكية “الشيو- إسلامي”، الذي شارك في الائتلاف الحكومي السابق (2012-2016)، ولم يحصل في استحقاقات 7 أكتوبر 2016 إلا على 12 مقعدا.

     والوردي ليس إلا أحد الأبناء الشرعيين لقطاع الصحة العمومية بالمغرب، ذو كفاءة علمية محترمة، أهلته لشغل عدة مناصب مميزة، من أستاذ جامعي إلى عميد كلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء، ورئيس مصلحة الاستقبال بمستعجلات المركز الاستشفائي ابن رشد، وخبير معتمد لدى المنظمة العالمية للصحة منذ عام 1998…

     ولا نعتقد أن أحدا يشك في ما يبذله من جهود، لكن يبدو أنه لم يحسن استغلالها في الاتجاه الصحيح، مما جعل عديد المغاربة يصابون بالإحباط وخيبة الأمل، بعدما استبشروا به خيرا، معتقدين أنه يجسد ذلك المطلب الذي طالما طالبوا بتفعيله: “الرجل المناسب في المكان المناسب”، لاسيما أنه لم يفتأ يبشرهم بإجراء “عمليات” مستعجلة لاستئصال الأورام الخبيثة ومعالجة الأوضاع المعتلة، انطلاقا من محاربة الفساد والتسيب، مراجعة أقسام المستعجلات وتعزيزها بالمزيد من الوحدات الاستعجالية، قصد تقريب الخدمات الطبية من المواطنين وخاصة بالمناطق النائية، وما إلى ذلك من الوعود “الوردية”.

     بيد أنه ما لبث أن لقي نفسه يدور في حلقة مفرغة، متورطا في وعود أكبر من الإمكانات المتوفرة، أمام قطاع يعاني من اختلالات عميقة في ظل ميزانيات هزيلة، وتبين له استحالة تحقيق الإصلاح في المدى القريب. ولحجب “غابة” الإرث الثقيل، آثر الاختفاء خلف “شجرة” تخفيض أسعار الأدوية، مستعينا بتقارير وبيانات تعود إلى عهد حكومة عباس الفاسي الأمين العام السابق لحزب الاستقلال، عندما كانت ياسمينة بادو وزيرة الصحة آنذاك، حيث أوكلت الدراسة إلى “مجموعة بوسطن للاستشارة”. واعتمادا كذلك على تقرير أعدته لجنة برلمانية، يظهر غلاء الأدوية بالمغرب مقارنة مع نظيرتها بكل من تونس وفرنسا، بنسب مائوية تتراوح بين 30 % و189 %، وأن الشركات المصنعة تحصل على أرباح خيالية.

     ومن ثم لم تتأخر وزارته في إصدار المرسوم 2.13.852 المتعلق بشروط وكيفية تحديد أسعار الأدوية، الذي صادق عليه المجلس الحكومي المنعقد بتاريخ: 13 دجنبر 2013. وفي ندوة صحافية عقدها للإعلان عن هذا الحدث غير المسبوق، اعتبر سيادة الوزير أن قرار التخفيض الذي هم في البداية 1500 دواء، يندرج في إطار تفعيل السياسة الدوائية الوطنية، الرامية إلى تحفيز الصناعة الدوائية المحلية، وتعزيز استعمال الأدوية الحديثة والمبتكرة، والتخفيف من عبء نفقات التغطية الصحية، وتمكين المواطنين من ولوج منصف للأدوية والمنتجات الصحية ذات الجودة العالية بأقل تكلفة، على أن تكون هذه الخطوة بداية السير في طريق الإصلاح الشامل.

     ورغم ما رافق هذا “الفتح المبين” من حملة ادعائية، لا تقل صخبا ومغالطات عما سبقها أثناء نشر لوائح المستفيدين من المأذونيات، وتوزيع بطاقات “التمرميد” وإغلاق ضريح “بويا عمر”. فالعارفون بخفايا الشأن الصحي، رأوا بعد التدقيق في الأرقام أن 59 % من الأدوية المستهلكة بكثرة لدى الأسر أي 3140 دواء، استفادت من تخفيض ضئيل يتحدد ما بين 20 سنتيم وعشرة دراهم، وأن التي عرفت تخفيضات من 10 إلى 100 درهم، تشكل 13 % أي 711 دواء، وما بين 100 و500 درهم تمثل 2 % أي 144 دواء، وما بين 500 و1000 درهم 0,70  % أي 37 دواء… ويشار إلى أن هذا التخفيض المتبجح به لم يخلف أي أثر إيجابي وسط المواطنين. ثم كيف الادعاء بدعم القدرة الشرائية و70 % من المغاربة خارج التغطية الصحية؟ وكيف للمواطن الفاقد للثقة في المؤسسات والمسؤولين، تصديق “تخفيض” سعر الدواء دون التشكيك في ما يمكن أن يلحق مكوناته ووزنه وفعاليته من غش، أمام الزيادات المتوالية في أثمان المحروقات وفواتير الماء والكهرباء؟

     أكيد أن المغاربة معروفون بالشهامة وعدم تبخيس الآخرين أشياءهم، وأنهم يثمنون عاليا كل مجهود لفائدتهم مهما كانت محدوديته، لكنهم في ذات الوقت يرفضون بقوة استبلادهم عبر إجراءات لا ترقى إلى مستوى انتظاراتهم، كما هو الشأن بالنسبة للزيادة في منح الطلبة ودعم الأرامل وتخفيض أسعار الأدوية… لأن الأزمة أعمق من ذلك في ظل ضرب قدرتهم الشرائية والإجهاز على أهم مكتسباتهم.

     فالرعاية الصحية ليست فرقعة إعلامية لذر الرماد في العيون، ولا يمكن اختزالها في “تخفيض” أسعار أدوية، بل في وضع سياسات كفيلة بتحقيق العدالة الصحية وتقليص الفوارق المجالية. أليس مخجلا استمرار نقل المرضى والنساء الحوامل بواسطة البهائم في القرى، الولادة أمام المستشفيات، عودة الأمراض الخطير كالجذام و”المينانجيت” وارتفاع نسبة وفيات الأمهات والأطفال أثناء الوضع…؟ لقد بات لزاما على البروفيسور الوردي، الابتعاد عن الخطاب الشعبوي العقيم ومحاولة خوصصة القطاع بطرق ملتوية. ذلك أن النهوض بالقطاع الصحي، يستلزم إرادة سياسية قوية لتخطي الإشكالات الرئيسية، المتمثلة في: غياب ميثاق وطني حول الصحة، انعدام الرقابة والحكامة وتراجع الميزانيات، ضعف شبكة العلاجات الأساسية وتردي حالة بناياتها ومعداتها، صعوبة الولوج للعلاج وتدني مستوى الخدمات الصحية، النقص الحاد في بنيات الاستقبال والموارد البشرية والتجهيزات الضرورية…

 

الثلاثاء : 18 يوليوز 2017.