تذكرت، وأنا أمر بالقرب من الطرامواي بالدار البيضاء، رئيس تركيا، الطيب أردوغان!
فهو الذي قال ذات يوم إن «الديمقراطية مثلها مثل الطرامواي، لا بد أن ننزل منها عند نقطة الوصول«!
فهل وصل بالفعل إلى »التيرمينوس«، وقرر النزول من قطار الديمقراطية؟:

لا يستقيم السؤال سوى بالعودة إلى ما شعرنا به جميعا في ذلك اليوم الصيفي الصاعد من العصر الطباشوري القديم، عندما سمعنا وقع الخطوات العسكرية، وهي تذكرنا بخطوات الديناصورات …في عودة مهيبة للماضي :لم يعد العسكر، لكن تعود الدكتاتورية بمساعدة صناديق الاقتراع ..
البداية من البداية، أي من لحظة الانقلاب، كما كتب عنها العبد الفقير لرحمة ربه منذ سنة خلت، للذكرى وأيضا لبناء سؤال الحاضر….

كل الذين استمعوا بإمعان وتجرد ديمقراطي لخطوات العسكر في الشوارع التركية، تذكروا –ولاشك- وقع الخطوات الغريبة للديناصورات في فيلم «جوراسيك بارك الكبير» لستيفن سبيلبرغ.

كان واضحا أن محاولة الانقلاب -كما كتب العبد الضعيف لربه بمجرد اطلاعه على الخبر- تماثل محاولة عودة ديناصورات منقرضة إلى زمن غير زمنها، لهذا كان الذهول الموالي لعدم التصديق تعبيرا عن غرابة المحاولة. لقد صار واضحا أن الديمقراطية عندما تكون بيد شعب موحد حولها، تستطيع قتل الدناصير.
لقد كانت ليلة واحدة كافية لكي يلوح المجهول في شوارع إسطنبول، ثم كافية لكي يظهر شعب قوي بخياره الديمقراطي ويهزمه.
لقد ترسخ في الاعتقاد أن الجيش التركي يمكنه أن ينجح في كل محاولة انقلابية بفعل العادة فقط، لهذا كان الذهول وكان الخوف كبيران بحجم الرفض.

أولا: لقد تعود الجيش فعلا على الانقلابات منذ 1960. ولقد قام الجنود بمحاولات دموية إلى حدود 1980 عندما أطاحوا بالأب الروحي لـ»الإخوان» التركيين نجم الدين أربكان. وظَل ظِلُّ الجزمة في عشرية سابقة هو ظل صندوق الاقتراع إلى حد تهديد رئيس الجمهورية عبد الله غول بالفشل، ولم ينتبه جزء من نخبة الجيش إلى أن عادة الانقلاب شكلت عقدة الشعب من الجيش الدموي، بل لقد تعود الأتراك على موسيقى أخرى غير «المارش العسكري».
لقد تعودوا على النشيد الديمقراطي بدلا من ذلك، وتعودوا على الخروج إلى الشارع العام! ولم يتعودوا على حنين المجازر والمعتقلات والأقبية. لقد قتلت الديمقراطية. … حنين الدناصير!
واعتبار أن الجيش لم يكن موحدا في محاولته (هو) نوع من الأسف المبطن على فشل المحاولة، وتسويغ لا يعلن عن قصوره، في القبول بالمحاولة أصلا!
لنتفق أن الملاحظة الأساسية، هي اتهام جناح سياسي ديني بأنه كان وراء المحاولة، والخلاصة أن المؤسسة لم تعد رهن العلمانية المفترى بها ولا عليها، بل جزءا من صراع مغاير، لم يتعوده الجيش ولم تتعوده شعوب الأناضول!

ثانيا: من السهل جدا أن ننتقل، عندما نكون على خطأ تاريخي فادح، من التهليل لانقلاب ما، باسم العلمانية (كما لو أنها غير قادرة على حماية نفسها بالناس المؤمنين بها إلى البحث عن «مؤامرة» يقودها أردوغان نفسه، ضد نفسه ليستغلها في النهاية ضد الآخرين، أي الأعداء والخصوم!!
هذا منطق فظيع، منطق مُتّهم بالحبور لإراقة الدماء، لا يشرف الديمقراطية ولا يشرف العلمانية، ولا يشرف العقل!
من المؤكد أن عناصر متشابكة تفاعلت في المحاولة، لكن من الصعب أن نخفي تعقد الموضوع وراء استسهال ما حصل، بمعنى أن نبحث في نظرية المؤامرة السمجة عن بديل لخطورة ما وقع ضد الديمقراطية.
الجيش أيضا، يواجه، مثل كل الأتراك، ضربات الانفصال الكردي والإرهاب الاسلامي، وهو يفكر بعقل الضحية الأولى لهذين الهجومين، لكنه يفكر بعقل تركيا كلها أيضا.

ثالثا: يختل العالم عندما تحاول كائنات، مهما كانت قوتها، العودة للعيش في الحاضر. هكذا يحصل عندما نؤمن بتطور الشعوب نحو الديمقراطية. والديمقراطية، قد لا تكون ضمانة مطلقة ضد الأخطاء، لكنها بالضرورة أفضل تأمين أنتجته البشرية ضد الرعب!
ولا يستثنى من ذلك شعب يقود أردوغان إلى الخطأ –
ربما- باسم الديمقراطية في فهم الدولة، أو مهامها ما بعد الكمالية.

لهذا، لا يمكن أن تصبح تركيا ساحة للإجابة عن أسئلة الشعوب الأخرى إلا في حدود فهم علاقة النخبة، المجتمع والمسار الديمقراطي.
وكل التهويمات السريعة التي رأت ربما في محاولة الجيش التركي، «هزم» أردوغان، تعويضا، أو «مقابلا موضوعيا» لهزيمة ذاتية في المجتمع المغربي ، تبقى تهويمات محكومة بالعطب.
لأنه لا يمكن أن تجيب أوضاع سياسية في بلد ما، عن أسئلة معلقة في بلاد كالمغرب، لا سيما بالنسبة لليسار!

ليس من حق الديمقراطيين التردد في رفض الانقلاب، وليس من حقهم البحث عن معادلة لاهوتية في مصانع المخابرات التركية لتفسير صواب الجيش في نسف الديمقراطية!
رابعا: يمكن أن يجعل أردوغان مما وقع «أم المعارك» وينهي كل الخصوم، لكن الدرس الفاقع هو أن الديمقراطية تحمل بعض بذور هشاشتها فيها، وعليه أن يعي ذلك. فتركيا بعد هذه المحاولة، لن تظل هي نفسها، إيجابا وسلبا، ومن صالحها رسملة الالتفاف حول المؤسسات وتحويله إلى خط سياسي وطني مشترك ضد النزعات الانفرادية..
إن البعض اعتبر أن الدرس الأول لأردوغان هو تصفية الانقلابيين المغاربة !!! باستعمال أنصاره المغاربة ضدهم… والحق أن هذا ليس طموح الرئيس التركي، ولا برنامجه المعلن.

 

الخميس :  20 يوليوز 2017.