منذ أن أخذت أحداث إقليم الحسيمة في التفاقم، وعرف مسار الاحتجاجات الشعبية، التي انطلقت شرارتها الأولى مع المصرع الرهيب للسماك محسن فكري في طاحنة أزبال يوم 28 أكتوبر 2016، منعرجا خطيرا، إثر اتهام نشطاء ما بات يطلق عليه “حراك الريف” بالنزعة الانفصالية والتمويل الأجنبي، وما تبع ذلك من اصطدامات عنيفة بين السلطات العمومية والمحتجين السلميين، أدت إلى إصابات بليغة في الجانبين، فضلا عن الاختطافات والاعتقالات والمحاكمات…

     ولما فشلت كل المساعي الظاهر منها والخفي، بما فيها انتقال وفد وزاري إلى المنطقة الملتهبة، في تلطيف الأجواء وإيجاد حل سلمي يعيد الغاضبين إلى بيوتهم، ويفسح المجال لانطلاق أشغال المشاريع التنموية المتأخرة، اتجهت الأنظار صوب الملك محمد السادس، باعتباره أعلى سلطة والملاذ الوحيد للمظلومين والمهمشين، القادر على الاستجابة لاستغاثتهم في الإفراج عن المعتقلين وتحقيق مطالبهم الاجتماعية والاقتصادية المشروعة، حيث ارتفعت الأصوات وتحركت الأقلام من كل ربوع البلاد، ملتمسة منه التدخل المباشر لنزع فتيل الأزمة التي ما انفكت تتعاظم ككرة ثلج، دون التكهن بما قد يتمخض عنها من تداعيات خطيرة.

     وبعد ترؤس الملك للمجلس الوزاري المنعقد خلال الليلة الأخيرة من شهر رمضان المعظم، الموافقة ليوم الأحد 25 يونيو 2017 بالدار البيضاء، والتعبير عن امتعاضه من تأخر إنجاز مشاريع البرنامج التنموي الكبير “الحسيمة منارة المتوسط” (2015- 2019)، الذي أشرف شخصيا على توقيع اتفاقياته في أكتوبر 2015 بمدينة تطوان، وإصدار أوامره للمسؤولين بوزارتي الداخلية والمالية، بإجراء الأبحاث والتحريات الضرورية وتحديد المسؤوليات.

     ونظرا لما تعرض إليه المحتجون من هجوم عنيف صباح يوم عيد الفطر المبارك على أيدي القوات الأمنية، لا لذنب اقترفوه عدا أنهم خرجوا للإعراب عن شعورهم بالإحباط ومدى استيائهم، من عدم شمل العفو الملكي بهذه المناسبة الدينية معتقلي منطقة الشمال كما كانوا يعتقدون من ذي قبل، فقد ازداد الطلب إلحاحا على التدخل الملكي لرفع المعاناة عن المتضررين وخاصة أسر السجناء…

     بيد أن هناك آخرين يرون في التدخل الملكي نوعا من التداخل في الاختصاصات، وقد يعطي الانطباع للمغرضين بالهيمنة الملكية وإفلاس باقي المؤسسات من حكومة وبرلمان وهيئات سياسية، وأنها لا تعدو جميعها أن تكون واجهة سياسية غير ذات جدوى، مما يسيء إلى سمعة البلاد التي أضحت تشكل استثناء في محيط إقليمي ملتهب، وإلى قائدها كذلك، ويفقد ديمقراطيتها الناشئة بريقها.

     وبشكل مباغت وفي سابقة تعد الأولى من نوعها في تاريخ المغرب المعاصر، دخل على الخط في النقاش الدائر حول ملتمس التدخل الملكي عباس الجراري أحد كبار المستشارين السابقين للملك، عبر حوار أجرته معه إحدى الصحف الوطنية المستقلة، مبديا استغرابه واستنكاره مما يجري، داعيا إلى الكف عن محاولة إحراج الملك، إذ قال: “الكل ينتظر تدخل جلالة الملك، وهذا ليس هو الحل منذ البداية. ولا يعقل أن تتخلى الحكومة والمؤسسات عن مسؤولياتها، ليتم الزج بجلالة الملك في قضايا مثل هاته. ليس سهلا أن يغامر جلالته في ملف شائك مثل هذا ولا يمكن توقع ردود الأفعال فيه. إن تصرف الأحزاب والحكومة والمؤسسات بإسناد كل شيء إلى جلالة الملك بق أو باطل، يضعه في موقف حرج”

     وكما لقي رأيه ترحيبا لدى الكثيرين، ممن باتوا يعتبرون الأحزاب السياسية مجرد دكاكين تجارية، تفتح أبوابها خلال مواسم الانتخابات للاتجار في التزكيات، وأنه من غير المعقول استمرارها في استنزاف الملايير من أموال الشعب، دون قيامها بالأدوار الموكولة إليها من وساطة وتأطير… فإن عددا آخر من المناضلين الحقيقيين، يعزون ما وصلت إليه هذه الأحزاب والحكومات المتعاقبة من ضعف، ليس وليد اليوم، ولم يأت من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لإرادة خفية مافتئت تعمل من أجل إضعافها، بواسطة زرع بذور الفرقة في صفوفها والإساءة إلى صور قادتها، حتى أضحى التمثل الشعبي لها سلبيا، وأدى إلى ما هي عليه اليوم من انقسامات وصراعات داخلية، ونفور عام من العمل السياسي وعزوف عن المشاركة في الاستحقاقت الانتخابية، وفقدان الثقة في المؤسسات والمسؤولين…

     وقد نجانب الصواب إذا ما قلنا بأن الدولة وحدها مسؤولة عما آل إليه الوضع السياسي من تراجع، بل للنخب السياسية والمجتمع المدني أيضا قسط وافر من المسؤولية، لاسيما عندما يتم التهافت على المكاسب والمناصب بعيدا عن هموم وقضايا الشعب، والسكوت عن استشراء الفساد وتعطيل المشاريع التنموية وإجهاض المسلسل الديمقراطي، عبر تمييع الحملات الانتخابية بالمال الفاسد والخطاب الديني والانقلاب على نتائج صناديق الاقتراع… ألم يساهم الفاعلون السياسيون في إفراغ المؤسسات التمثيلية والأحزاب من مشروعيتها والتشكيك في مصداقيتها، بتجاذباتهم السياسية وإقحام المؤسسة الملكية فيها، رغم أن الملك طالما نبه إلى تجنب استخدام شخصة في معاركهم الوهمية؟ أليس القول بوجود حكومة ظل موازية والتحكم في صنع القرار السياسي من لدن جهات نافذة، تبخيسا للعمل السياسي؟

     إننا وكما نريد مؤسسة ملكية قوية، أحوج ما نكون أيضا إلى مجتمع مدني متماسك وأحزاب وحكومات قوية وذات استقلالية. ودعما ل”حراك الريف” السلمي، وإيمانا منا بعدالة المطالب وبراءة المسجونين، الذين عبروا عن نضجهم وانضباطهم لأزيد من سبعة شهور، فإن أملنا وثيق في أن تتوج احتفالات المغاربة بالذكرى 18 لتربع الملك على العرش أسلافه المنعمين يوم 30 يوليوز 2017، بعفو استثنائي عن كافة المعتقلين الريفيين، عرفانا بما قدمه أبناء الريف من تضحيات جسام في سبيل تحرير الوطن، وفي مقدمتهم قائد المقاومة الريفية ضد الاستعمارين الإسباني والفرنسي: عبد الكريم الخطابي. وما ذلك على همة الملك بعزيز.

السبت 22 يوليوز 2017.