من خلال طرح السؤالين الوجودين اللازمين والمتلازمين :الماهية؟المقاصد؟.تتفرع عنهما تجريبيا وعمليا متواليات عدة تمس أساسا بناء الفرد والمجتمع :لماذا هذه المهرجانات؟ماجدوى هذه المهرجانات؟الخلفية العميقة لتنظيم هذه المهرجانات؟ما المشروع المجتمعي عامة والثقافي خاصة الذي يؤطر معرفيا ومفهوميا وإيتيقيا سياقات هذه المهرجانات؟ماهي القيم الجمالية المتوخاة،التي يبدو أن المجتمع المغربي بصدد تكريسها نوعيا،بالتوازي مع كل هذا التوالد الكمي لهذه المهرجانات؟ثم ماذا عن المواقع الترتيبية المفترضة بخصوص السياسة العامة للدولة،وكذا الأولية المنطقية لهذه الحاجة على حساب تلك؟

لاضرورة من أجل إعادة التأكيد خلال كل مناسبة وغيرها،على التداخل العلائقي المفصلي بين السياسي والاقتصادي والاجتماعي،كمنظومة متكاملة البنى والمرتكزات،يستحيل فصل أحدها عن الأخريين.أما التأثير، فلا يأخذ وضعه الطبيعي،إلا جراء المسار الخطي ذي الاتجاه الواحد،وغير قابل للانعكاس.وإن ظل السجال مرتكزا على أولوية السياسي عن الثقافي؟أو خلاف ذلك،مدى جرأة الثقافي وصلابته وعناده وصفاء سريرته،كي يذلل السياسة ويجعلها فعلا مشروعا ثقافيا.لحظتها،تتعالى السياسة متسامية عن تحديدها المعهود،الوضيع،كفن للخداع،ثم تصير حقلا لإذكاء المشاعر لدى المحكومين،كي لاينخدعوا ويدأبون بفطنة وبصيرة على ملاحقة مخابئ الخديعة المتوارية وراء المصلحة العامة،أينما وجدت،ماداموا قد امتلكوا بالثقافة ذكاء المشاعر،وشاعرية الذكاء.

إذا استقرأنا المجال المغربي،على ضوء المعطيات الماثلة،سنلاحظ بخصوص المقدمة الكبرى والأساس،انتفاء المشروع المجتمعي :ماهي الغاية المثلى التي نتوخاها كشعب ومجموعة بشرية،بمعنى المخططات البعيدة الأمد التي تصب في روافدها حصيلة ممارساتنا اليومية.مع الوقوف على بداهة كتلك،لم يعد من حيز سوى للمزاجية والارتجالية والعشوائية.  

إن ثنائية المأساة والملهاة،أو الكوميديا والتراجيديا،باعتبارهما مشهدين يحددان ويعكسان المنظومة القيمية للبشرية قاطبة وضمنها بالطبع المكون المغربي،لن تتبلور ممكناتهما قط عبثا بغير عِبَر،لدى المجتمعات الواعية باختياراتها ومصيرها،الممتلكة لحاضرها ومستقبلها،بل هما أساسا تحققين يلزم استثمار حمولتهما،عبر التقييم الجاد،بخصوص خطوات النقد الذاتي،بالتالي تحقيق الانتقال والطفرة.

جميل الاحتفال بإيقاعات الرقص، ورنين الشعر، وإيحاءات المسرح، ومعاني الصورة، ودلالات التشكيل،كرنفالات الطرب والبهجة والتعبير الحقيقي عن التماهي مع الزمان والمكان،لكن الأجمل قبل ذلك جميعا،والباعث المحدد لمختلف المباهج الأصيلة وليست الزائفة،يكمن في الاحتفال أولا وأخيرا بحياة الإنسان وجعله باستمرار ضمن نواة كل تدبير مهما قل شأنه.حينما تغيب هذه القاعدة،فلا داعي أصلا للتفكير فيما بعدها.مادام الأساس غير قائم.

إذن ماجدوى كل هذا السيل العرمرم من صخب المهرجانات ؟هل نتهذب حقا وتحفر في أعماقنا ودواخلنا بتطهيرها لنا؟هل يتفتَّق تحضرنا وتكبر مكانتنا ويستحقنا وجودنا ويزداد سمونا الروحي والعقلي والسلوكي والجمالي والمشاعري،سواء في إطار علاقاتنا داخل البلد أو مع الآخر؟أم فقط وهذا مايتجلى بكل وضوح،نواصل بكافة الأساليب،تفريغ الإنسان تماما،وهدر الزمان، وتبخيس أيما تبخيس الدلالات المادية والرمزية لتلك الحقائق العظمى البناءة التي كلفت الإنسانية في سبيل تكريسها تضحيات أعظم .

 

عن موقع سعيد بوخليط
الخميس 27 يوليوز 2017.