على بعد حوالي عامين ونيف من الآن، تعرضت المجلة الفرنسية “شارلي إيبدو” المثيرة للجدل، المعروفة دوليا بالسخرية والاستهزاء بالديانات والمعتقدات، الشهيرة في فرنسا بزرع ثقافة الإسلاموفوبيا والحقد والعنصرية وتغذية الكراهية وإقصاء الآخر، إلى عملية إرهابية دنيئة، أسفرت عن مصرع 12 شخصا من رسامين وفنانين… اهتز العالم لهول الفاجعة مستنكرا ومنددا بالاعتداء الإجرامي السافر، وسارع الجميع من مختلف الأعراق والديانات إلى التضامن مع الضحايا وذويهم والصحيفة، وانتشر شعار “أنا شارلي” على نطاق واسع في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي.

     ورغم أن الصحيفة لم تفتأ تحتقر الأديان والثقافات والحضارات، وتستفز مشاعر المسلمين عبر رسومها الكاركاريكاتيرية المسيئة إلى رموزهم الدينية، باسم حرية التعبير والسخرية والفكاهة، لم يتأخر بعض الزعماء العرب في الانضمام إلى قافلة قادة حوالي خمسين دولة شاركوا في المسيرة الحاشدة، التي نظمت بالعاصمة الفرنسية باريس يوم الأحد 11 يناير 2015، للتأكيد على نبذ العنف والإرهاب بجميع ألوانهما…

     في حين أن لا أحد التفت اليوم إلى ما يتعرض إليه المسجد الأقصى المبارك من إرهاب حقيقي، إثر الغزو الصهيوني الفظيع، الذي جرده من المرابطين لحراسته ورواده والمعتكفين بداخله، حيث أغلقت الأبواب أمام المصلين والعالم بأسره يتفرج. إذ حيل دون وصول المصلين إليه، ليتحول بسرعة فائقة إلى منطقة عسكرية معزولة، تحت ذريعة الإجراءات الأمنية الضرورية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل. وهو ما يتضح معه أن إسرائيل مصرة على مواصلة غطرستها والتمادي في انتهاكاتها ومجازرها، ولا أحد رفع شعارا يقول “أنا فلسطين” أو “أنا القدس” أو “أنا الأقصى”… للتنديد بممارساتها القمعية وجرائمها الوحشية، وإدانة ما تقوم به حكومتها المتطرفة من سياسة الاستيطان والتهويد ومصادرة الأراضي والممتلكات، واستنكار الحصار المضروب على الفلسطينيين في أراضيهم وقطاع غزة، وما يقترفه المتطرفون الإسرائيليون من جرائم إرهابية تبلغ أحيانا إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية. بل وصلت الوقاحة بالعدو الصهيوني حد الاستخفاف برمزية القدس الشريف، والاستمرار في مخططاته الجهنمية الرامية إلى تغيير طابع مدينة القدس القانوني والديموغرافي، ومحاولة طمس هويتها الحضارية ومعالمها الدينية والثقافية…

     والغريب في الأمر أنه في الوقت الذي استضافت فيه المملكة العربية السعودية يوم 21 ماي 2017، قمة عربية إسلامية أمريكية على مستوى القادة بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من أجل بناء شراكة جديدة بين العالمين العربي والإسلامي من جهة والولايات المتحدة الأمريكية من جهة ثانية، لمواجهة مخاطر التطرف والإرهاب وإيقاف المذابح والمشانق، ونشر قيم التسامح والتعايش المشترك بين الشعوب في كافة بقاع العالم. وهي قمة عقد عليها كثير من العرب والمسلمين آمالا جساما في الحد من بطش العدوان الصهيوني وممارساته الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني الأبي، يفاجأون بإجماع كل من السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة ومصر على قرار قطع العلاقات مع دولة قطر، لاتهامها بدعم واحتضان الجماعات الإرهابية المتطرفة والطائفية، مما جعل مجموعة من الدول العربية تسير على نفس النهج، متمسكين بعدم رفع الحصار إلا إذا رضخت الحكومة القطرية لمجموعة من الشروط القاسية.

     وفي خضم انشغال العرب والمسلمين بحادث المقاطعة الفجائي والغريب وما ترتب عنه من تداعيات تنذر بالمزيد من التصعيد، وسعيا من اسرائيل إلى بسط هيمنتها على ساحات الحرم القدسي الشريف في انتظار التفرد به وتهويده، لم تتردد سلطات الاحتلال في استغلال هذه الأوضاع المتأزمة، فبادرت إلى إقامة بوابات إلكترونية بالمسجد الأقصى. وهو ما اعتبره المراقبون إجراءا يندرج ضمن حزمة قوانين سنها الكنيست الإسرائيلي، بغرض تطويق الأقصى وعزله عن محيطه وبيئته العربية والفلسطينية، ومحاولة إخلاء القدس من الفلسطينيين، الذين يقفون صامدين في وجه أطماع اسرائيل، التي تعتمد كل الأساليب المتاحة لمواصلة اعتداءاتها والتهرب من عملية السلام، مما اضطر معه الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى تجميد كافة الاتصالات الرسمية معها، إلى حين عودتها إلى جادة الصواب والإعراض عن هذه الإجراءات الجائرة.

     فمن هنا يتضح مصدر حالة الغليان الشعبي الممتد عبر مختلف جهات فلسطين، وتنكشف سياسة العدو الصهيوني، الذي يبدو أنه لن يهنأ له بال إلا بإحكام قبضته وإدارته على ساحات الحرم القدسي وأعداد المصلين، لفرض واقع جديد يقود إلى بناء الهيكل المزعوم. وما البوابات الإلكترونية إلا مجرد تمهيد، قد تعقبها إجراءات أخرى من قبيل نصب كاميرات في ساحات الحرم وداخل المساجد، ومصادرة مفاتيح الأبواب الخارجية وتوفير البيئة الحاضنة لليهود، على غرار المخطط الذي تم تنفيذه بالحرم الإبراهيمي بالخليل. ألم يسبق لحكومة اليميني المتطرف بنيامين نتنياهو الترخيص بتشييد 15 ألف وحدة سكنية في القدس، على أرض يقر القانون الدولي أنها محتلة، والسعي إلى إصدار قانون يسمح لليهود بممارسة مختلف شعائرهم الدينية داخل باحة الأقصى، وتكليف جيش الاحتلال بحمايتهم، وقيام الكنيست بمناقشة تشريع وقف الأذان في القدس لأسباب واهية، معتبرا أن ما تحدثه الأبواق من “ضجيج” يلوث البيئة…؟

     إن اسرائيل هي الإرهاب الأكبر، مادامت مصرة على انتهاك حقوق الفلسطينيين عامة والمقدسيين خاصة، قمع الحريات واستهداف المقدسات العربية والإسلامية في القدس الشرقية، ضاربة عرض الحائط بكل المواثيق الدولية. وعلى المجتمع الدولي والعالمين العربي والإسلامي الاحتكام إلى الضمير الإنساني، والتصدي لمخططات اسرائيل من خلال ممارسة الضغوط والعقوبات اللازمة على حكومتها للتراجع عن قراراتها الإجرامية. فإلى متى سنستمر في التباكي والتزام الصمت أمام الحصار الإسرائيلي المذل؟

 

الجمعة 28 يوليوز 2017.