صدق ما توقعناه، لا من باب التنجيم أو «المهارة« السياسية أو المهنية، بل بناء على ما عودتنا عليه التربية السياسية المرافقة للخطب الملكية نفسها…
فجاء الخطاب:خطاب العرش بلسان الشعب…
خطاب استمد قوته من قوة الوضوح لدى صاحبه..وكما كتبنا في الجزء الأول

من هذا العامود:

كان الخطاب :” ساعة للحصيلة أو ساعة للكشف عن حالة الأمة”

بلا زواق ..

* خطابا للطابع التحفيزي، والتجديدي وأيضا البنيوي الذي أصبحت الخطابات الملكية تكتسيه في حياة الأمة المغربية منذ مجيء الملك محمد السادس، طابع لا يخلو من النفَس النقدي والواقعي والتشخيصي، من موقع صاحبه الذي متّعه التاريخ والسلطة الروحية والدستور بموقع تفوُّق مؤسساتي يستند إلى ريادة دستورية ومؤسساتية، مصادق عليها شعبيا عبر الاستفتاء،…وهو خطاب له قاموس خاص، وتوجيه خاص وبرنامج خاص..

* خطاب العهد الجديد،الذي لا ” يتفادى أي موضوع يستأثر بالاهتمام، أو إرجاؤه إلى محددات أخرى غير مركزية الملكية في بناء الحلول، في وجود هاجس دائم منذ 2011 هو استحضار الإخراج الدستوري السليم دوما لكل خطوة سياسية..”.
لكن عمق التجاوب الحالي معه، ربما يعود إلى كونه تجاوبا هو نفسه مع أفق انتظار شعب بكامله..
بقوة وبدون مساحيق لغوية تنمّش الرداءة والترهل الحاليين..
لهذا حدث بالفعل أن ما انتظرناه، كمغاربة وقع “في كون التحول الذي يمكنه أن يقلب طبيعة العلاقات بناء على النفس الجديد، هو تغيير التلازم بين المسؤولية والسياسة، من تلازم التوازنات الضيقة والمتكررة مع المسؤولية، إلى التوازنات العميقة كما جاء في خطاب 2011 ، التأسيسي للجدولة الجديدة للسياسة والدولة، حيث قال بالحرف:»إن تلازم المسؤولية بالمحاسبة قد صار قاعدة لها سموها الدستوري، وجزاؤها القانوني، وضوابطها الأخلاقية الملزمة” ..

بعد المسؤولية والمحاسبة
هناك مسألة لا تقل جوهرية عنهما معا هي الثقة في البناء السياسي المغربي..
مسألة الثقة في السياسة والسياسيين والإدارة ومقومات الدولة الحديثة..
وقد رسمت كلمات الخطاب صورة في غاية الواقعية، كما يراها ملك البلاد مضمونها التراجع السياسي الكبير في الاداء العام، سياسيين ومنتخبين وإداريين ومسؤولين عموميين..
وهو في الواقع رجع الصدى لحالة فشل بنيوي في الارتقاء إلى مطامح اللحظة السياسية التي دشنتها تغييرات 2011 ودستورها وحركها والآمال التي انبت عليها: حيث تراجع تحقق “انبثاق مشهد سياسي ومؤسسي جديد وسليم، كفيل بعدم إنتاج ما يشوب المشهد الحالي من سلبيات واختلالات..”.فكان أن أهدرنا فرصة تاريخية بكاملها لأسباب يعرفها العديدون، لكنها هذه المرة تقال من أعلى منبر في الدولة والدستور والامارة والتاريخ..
لهذا كان خطاب السبت ، اختيارا عقلانيا ، ميز من بين أطروحات عديدة كانت معروضة على صاحب العرش، اختار فيها التجاوب مع تطلعات شعبه لا مع اهتزاز النخبة (والفاهم يفهم )…”..
ومن الواضح أن الريف كان في صلب هذا الخطاب ، ضمنيا أحيانا وصراحة أحيانا كثيرة:
في تحديد المسؤولية وتفعيل تلازمها الدستوري بالمحاسبة
في نقد الحسابات السياسوية الضيقة
في تحليل الدور المنوط بالأمن (لنا عودة للموضوع)
في تكريس النقد للوساطات المشروعة ولكن العاجزة
في ترتيب الجزاءات على التهاون
في الرفع من خطورة التهاون إلى درجة … الخيانة!
وفي أشياء كثيرة سنعود إليها..

 

 هامش في نقاشات الردود:

ليس مطلوبا من ملك البلاد أن يقوم … بانقلاب على نظامه لكي يجد بعض شيوخ الاستيهام الثوري حاجتهم
فالملك لا يستطيع أن يتجاوز سقف الإصلاح..
إصلاح النظام وأحيانا المساعدة على ذلك ، كلما كانت القوة الاصلاحية قادرة على حمل الدفاع عن شرف هذا الإصلاح…
أو على الأقل عدم معارضته وتخوين من يدافع عنه..
ويمكن أن نقول بأن مشكلتنا طوال العقود التي أعقبت الاستقلال وقبل العهد الجديد، هي أن فكرة الإصلاح ظلت غريبة تماما عن حقلنا الوطني، رغم وجود قوة إصلاحية، بله ثورية فاعلة في البلاد، لأن النظام كان ضد أي إصلاح….

 

الاثنين 31 يوليوز 2017.