اعاد خطاب العرش أزمة الثقة إلى صلب العلاقات بين مكونات الدولة، بما فيها الملكية وشخص الملك !
والحال أن العهد الجديد تأسس على مقولات مؤطرة من صلب بناء الثقة:المصالحة، التجديد في مفهوم السلطة، الإصلاح الهرمي لاستعصاءات المجتمع ( المدونة، اللغة، المجال، صفحة الماضي….إلخ) و الإصلاح الدستوري، كتتويج لمسار التقى فيه التاريخي بالحركي، بالشعبي، بالملكي..
الملاحظ الآن أن المغرب ، قد عجز طيلة ست سنوات ، أي منذ اعتماد دستور 2011 عن إفراز نظام سياسي سليم يرسمل التوجه الجديد، والتعريف الجديد للدولة لنفسها، وعن توجهها نحو التغيير من طبيعتها…
ولعل من صلب مظاهر هذا العجز، العجز في الثقة..إذ عادت هذه القضية لتأخذ أبعادا رهيبة هذه المرة..

لنعد إلى الأصل:
لقد شكل تاريخ المغرب الحديث، بعد فورة الاستقلال الجليلة، تاريخ عجز كبير في الثقة بين الفاعلين السياسيين… بين الدولة ومكوناتها، المركزية والمساعدة والمبتكرة وبين المجتمع ومكوناته بمستوياتها المتعددة…وظل مشكل الثقة، بين المجتمع السياسي والمجتمع عموما وبين مكونات المجتمع السياسي نفسها وبين الفاعلين السياسيين أحد مظاهر العجز الكبير، التي عطلت الحركية التصحيحية..وأحد كوابح السلاسة الديمقراطية..و تأسست لحظات ثقة، موضوعية أكثر منها مختارة، بقبول الأطراف ببعضها خلال لحظات مفصلية، كما هو حال 1975 مع انطلاق المسلسل السياسي والانفراج في العلاقة بين المجتمع ومكوناته وبين قطب الدولة..أعقبته لحظات توتر لم تصل إلى درجة القطيعة وعودة أزمة الثقة في الثمانينيات ثم في التسعينيات..

وقد بادرت الأطراف إلى قراءة التحولات الجارية في العالم مع سقوط بنيات الحرب الباردة وانهيار المعسكرات المقامة على أنقاضها، قراءة وطنية ثم مع التحولات الداخلية إلى تدبير مرحلة للثقة، ثم التعبير عنها بواسطة التصويت الإجابي على دستور 1996، من طرف الأحزاب المعارضة التقليدية لا سيما الاتحاد والاستقلال..واعتقدنا أن حكومة التناوب رسملة سياسية لهذه الثقة المستعادة، وإطلاق مسلسل جديد من بناء مؤسساتها..

مع نهاية التجربة، ولا سيما مع ما سميت بأزمة المنهجية الديموقراطية، عادت قضية الثقة لتطرح من جديد، بل لن نبالغ إذا ما قلنا بأن جزءا من القرارات السياسة المتعلقة بالمشاركة، كان وراءه الخوف من عودة شبح عدم الثقة بين مكونات الحقل الوطني وبين الملك الجديد…،غير أن التحليل السياسي،وعلى الأقل الذي قام به جزء من المكون التقدمي الديموقراطي، كان قد توصل إلى عودة العجز في الثقة من جديد، على قاعدة أن الدورة التي دشنتها إصلاحات 1996 ثم ممارسة للسياسة طوال الفترة الموالية لها، قد استنفدت نفسها، وبدأ الحديث عن جيل جديد لسد العجز وتحفيز المشاركة المواطنة على المعترك السياسي بعد العزوف الرهيب لسنة 2007!

وقد ظل التأرجح في البحث عن إعادة المغاربة إلى الحماس السياسي، يتأرجح بين التفكير في تحويل جذري للدولة أو مساعدتها بوسائل بشرية ومادية وحزبية على مشروع متحرك ، ومنطلق قبل ذلك التاريخ..

غير أن الاختيار الجوهري من أجل «إصلاح الاختلالات وتصحيح المشهد، «سيكون هو السنة الفاصلة مع فبراير 2011.. وإصلاح الدستوري العميق.
وتبين من بعدُ ،أن ما جاء من سياسة، كان في جوهره … تعطيل للدستور!

وأصل الثقة والمنعدمة اليوم، هو أن السياسة عطلت دستور التغيير بعد أن كان الدستور، في أزمة الثقة السابقة، بسبب أن الدستور كان يعطل السياسة!
أزمة الثقة، هي أزمة لا يمكن أن تقف عند حد معين، بل تمس، عندما تبدأ، كل مقومات الدولة الحديثة..ولا أحد يعرف أين تقف عندما تستفحل..؟..

الآن، مادامت الأحزاب في صلب النقاش العمومي، ماذا يقول أبناؤها في أزمة الثقة التي وصلت إلى حد أن يقول ملك البلاد إنه لا يثق في بعض السياسيين ( وليس الحزبيين، للتوضيح، فكثيرون يمارسون السياسة بدون الحاجة إلى الأحزاب..!)؟

لنتحدث لغة الوضوح والصراحة:

كل الذين يمارسون النقد الذاتي ، يعرفون أن أوضاعهم ليست بخير وأن الإصلاح صار إجباريا من أجل البقاء قيد الحياة، ويكفي أن نقرأ ما يكتبه المناضلون والمسؤولون الحزبيون الجادون وحتى بعض المسؤولين في مراكز القرار من الحزبيين عن إنقاذ الأحزاب التي ينتمون إليها من الموت بواسطة التفكير غير المألوف!
ويكفي التذكير بالكثير من الأدبيات التي كتبها مناضلون حزبيون عبر أجهزتهم لنرى استشعار الأزمة في عمقها…وقوتها…وكارثيتها…

الثلاثاء 01 غشت 2017.