استهلال لا بد منه يعود إلى عمود تم نشره
في الجريدة، عدد السبت الأحد 3/4 يونيو الماضي:

“تكرس، في النقاش العمومي، ثابت شبه بنيوي يخص ضعف الوسائط السياسية، الحزبية والنقابية منها.. وصار من البديهي أن نقرأ أو نتابع أن الدولة صارت في مواجهة مباشرة مع الشارع، بسبب هذا الوهن الوسائطي..وبقدر ما نشتمُّ في ذلك نزوعا نحو الإعلان عن التذمر من حقيقة نسبية موجودة في الحقل الوطني، بقدر ما ترافقها، في الوقت ذاته، رسالة تدعو إلى إعادة إقرار الشرعيات الحزبية والسياسية…
والواقع الذي لم تعد ترفضه حتى الأدبيات الحزبية نفسها، ويكفي لذلك الاطلاع على وثائق المؤتمرات والنقاشات العامة والخاصة للأعضاء والمناضلين، لكي نسلم بأن هذه المعاينة تكاد تكون عامة..
والذين كانوا ينبهون إلى كل أساليب تبخيس وإضعاف العمل الحزبي والسياسي هم المناضلون الحزبيون والمواطنون الحزبيون ، المؤمنون منهم بالمبادئ أكثر من غيرهم..
نختلف في تقدير مسببات هذا الضعف والتراخي أو الانمحاء أحيانا..، وفي تقدير الموضوعي والذاتي في الوصول إلى ما نحن عليه..
وعندما نقول الشرط الموضوعي، فنحن نتحدث عما هو خارج الحزبية، في ذاتها وصفاتها.
يمكن في السياق ذاته الحديث عن الإرادة المعلنة حينا والمستترة حينا، في التدبير بواسطة الفراغ المؤسساتي، المعبر عن المجتمع. إذ هناك الذين اعتبروا أن أفضل طريقة في ترويض الديموقراطية على السيرك الوطني، هي أن نجعلها تشبه…. الفراغ، أو اعتبروا أن هذا الأخيرهو أرقى أشكال التنافس الديموقراطي عبر ضرب الامتدادات الجماهيرية للقوى السياسية أو تبخيس أدائها أو التصدير المتردد والمتنامي لكل أزمات النظام السياسي إلى دائرتها الداخلية، وأحيانا الشعور بأنه لا ضرورة لوجودها إلا كصدى..لمركز الدولة”…

انتهى الاستهلال.

لنتفق : من حق أي حزب أن ينتحر إذا كان يعتبر بأن تلك هي الطريقة المثالية في ممارسة قناعاته !
ومن حقه أن يكون فاشلا..
وأن يندثر بمحض إرادته أو بمساعدة ” الخبراء المختصين في مورفولوجيا الجسد الحزبي”..
فالهيئة السياسية التي يكون هذا هو اختيارها، لا يكون من حقها شيء واحد فقط، هو أن أن يشيح عنها الناخب والشعب عموما بوجهه..
وسيكون من المنطقي أن الحزب الذي يختار الفشل كسياسة مثلا يلقى ما يريد:لكن السؤال هل المعضلة أن يختار حزب الموت ويمشي الشعب في جنازته؟
بمعنى آخر: إن الحزب الذي يفشل، يعاقبه الشعب ولا يصوت عليه، ثم يتجدد أو يندثر..
لكن ماذا عن الثقة عندما تغيب في مقومات أخرى من مقومات الدولة الحديثة؟
هل يمكن أن نقبل بشيء كهذا..
وبمعنى آخر مرة أخرى: لا أعتقد بأن الجديد في خطاب العرش، كان هو توصيف حالة الحزبية والوساطات الحزبية، بأدرعها النقابية والجمعوية والمهنية الخ،
فقط،

-1- بل أعتقد بأن البؤرة، هي :عدم الثقة في جزء من سياسييها
(علما بأن بعض السياسيين ليسوا حزبيين!)…

-2- رفض الاختباء وراء القصر.…علينا أن نسلم في هذا الشأن بأن اللحظات الصعبة تجعل القصر الملكي يدفع من رصيده مقابلا لمن لا رصيد لهم،
ومن أقسى اللحظات الصعبة، وقد سبقت لهذا العبد الفقير لرحمة ربه، أن سنوات الانحسار تبدأ من اللحظة التي تبدأ فيها الملكية في الدفع من شعبيتها مقابل كيانات ، افرادا وجماعات لا شعبية لها!
وهذا أمر صعب للغاية…

-3-لا يمكن أن يكون أي نقد للفعل السياسي مبررا لمشروعية …قتله.
أبدا…
النقد السياسي الذي يخدم التاريخ، هو أن الذي يترك الحرية للبدائل لكي ترى النور، ويقدر من باب مصلحة الدولة -ككيان وليس كجهاز فقط- أن أخلاق المسؤولية تتغذى على أخلاق الحرية! وأخلاق الحرية تتقوى بأخلاق المسؤولية…

-4-الذين يتنكرون لحزبيتهم، بتاريخها ومجدها باعتبارهما عالة وأغلالا تعطل مسيرتهم ولأخلاقهم النضالية التي بنوا بها ذاتهم الجماعية ، لماذا يريدون من المؤسسة الملكية أن تدافع عنها؟
والكيانات الحزبية التي سعت إلى الحديث باسم الملكية، لماذا تريد منها أن تعاملها كما لو كانت كيانات قوية وذات معنى ، وتطالب بمعادلة غير معادلة التوبيخ والتقريع؟
والذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ،لماذا يريدون منه أن يعيدهم إليه ولم يعودوا إليه؟
والاحزاب التي قبلت بمبدأ التطبيع مع تقويض فكرة الشعب، من خلال التشكيك في قدرته الديموقراطية على حسن الاختيار…وسلامة حسه في معرفة ما ينفعه وما ينفع الديموقراطية…، لهذا تستحلي الحجر عليه:تارة بتقنوقراطية النخب
تارة بالبيروقراطية المسلحة
ومرات بالبيروقراطية الناجعة
وأحيانا بالماركوتينغ السياسي..
هل لها أن تغضب، وتطالب بالرجوع إلى الشعب؟
إن أصعب شيء هو ضمان السير العادي للديموقراطية، عوض البحث لها عن بدائل ، من داخل التقنوقراط أو من داخل الدولة المغلقة على نخبها وتوزيع أدوارها….أو من داخل تدبير القرابة مع مركز السلطة بكل مستوياتها!!

-5- لنعتبر اللحظة لحظة إصلاح،لتدشين مرحلة جديدة لن تقف عند النقد مهما وصلت قوته، وهي ولا شك كذلك ، ولنقل بعدها:لم يستشعر جزء كبير من الطبقة السياسية، رغم مشاركتها لقوانين »التيكتونيك« مع طبقات الأرض، عمق الهزة سواء في زمن فبراير 2011 أو زمن ريف 2017ويجب أن نذكر الجميع ، بعيدا عن أي ديماغوجية أو نزعة حزبوية ضيقة بأن وقت الإصلاح وزمن الإصلاح عرف لحظات رجعية غير قابلة للنسيان.. بل كشف عن حالتين محيرتين:

الأولى: استنكاف قوى سياسية عديدة عن الدخول إلى المعترك السياسي.. من باب الإصلاح والموقف الناصح ، ومحاولة استعداء الدولة ضد الشارع، عبر تنكرها لمطالبه!
الثانية: التفاوض حول الشارع مع الدولة حول مآلات التوزيع السياسي للربيع المغربي سابقا ثم لما فجرته احتجاجات الريف لاحقا!

 

الاربعاء 02  غشت 2017.