سؤال :  ما هو واقع التعليم العالي اليوم وما هي مظاهر الخلل في نظركم في  منظومته .
الجواب : مع كل اسف و حسرة فان واقع الحال في التعليم العالي يؤكد ان مؤسساته تحولت في اغلبها الى ادارات محلية و إقليمية و جهوية في صورها السيئة  . و ذلك بسبب تخليها عن رسائلها الاساس و المتمثلة في اعداد الاطر و تكوينهم و تأهيلهم لتحمل المسؤوليات كيف ما كانت و ايا كانت اطر مواطنة تنطلق من الوطن و تنتهي اليه اطر متشبعة بقضايا المواطنات و المواطنين اطر تؤمن بثقافة الاختلاف و التعايش و تشجع على العطاء و التطوع و الايثار . اننا محتاجون اليوم اكثر من اي وقت مضى الى اخلاق و مثل و قناعات شباب طريق الوحدة . فبناء الاحجار و غرس الاشجار و استيراد  التكنولوجيا و المعارف لا قيمة لها في غياب الانسان المواطن الصادق الخدوم المتشبع بالإنسانية بأبعادها و اخلاقها .
ان واقع التعليم العالي اليوم يسائلنا جميعا واقع مؤلم ينم عن انكسار و تشتت في الادوار و العلاقات فالرئيس غالبا ما صار مقاولا مشرفا على الصفقات و البناءات و التشييدات و متتبعا لها في احسن الاحوال و العميد تحول الى ضابط نظام و ايقاع دخول و خروج الاساتذة و الطلاب و الموظفين و موزع بالعدل او بدونه لما يتوصل به من اعتمادات من الرئاسة  في احسن الاحوال  و الاساتذة صار اغلبهم منفذين لالتزام إداري  تدريسا و حضورا للاجتماعات و بذلك تغيب او تكاد الجوانب الاخرى التربوية و الاخلاقية  و العلمية و الطلاب اغلبهم صار باحثا عن الشهادة و هم يعيشون ظروفا مزرية في حياتهم الجامعية سواء في تنقلهم و مأكلهم و مشربهم  غياب للأنشطة الموازية و التكوينية و الاحياء الجامعية في احسن احوالها امكنة للأكل و الشرب و المبيت …و بين كل هؤلاء ضاعت العلائق و الجسور و الاهداف حتى صار ما يجمع كل هاته الخيوط هي الجوانب الامنية . و نعتقد انه لا يمكن بالهواجس الامنية ان نساهم في تكوين الاطر و تهيئتهم.
اما مظاهر الخلل في المنظومة فكثيرة جدا تمس طرق التدبير والتسيير والتواصل وتهم أساسا غياب الحكامة في اغلب الجوانب ،  و هي تعرف عدة اختلالات و إكراهات ومعيقات منها ما هو بنيوي ومنها ما هو قانوني ومنها ما هو تدبيري ومنها ما هو بيداغوجي ، ويمكن أن نجملها في ما يلي :
– مشاكل بالجملة في الهندسة البيداغوجية ،
– ضعف التأطير البيداغوجي والإداري في المؤسسات الجامعية.
– عدم انخراط كل الأساتذة الباحثين في المشروع المجتمعي للجامعة. ما دام  واقعهم يدعو للقلق ، هيئة يغيب عنها التحفيز، ظروف اشتغالها غير مساعدة . اكتظاظ وسط الطلاب ، قلة في الموارد البشرية ، علاقات متوترة بين أعضاء هذا الجسم ، اذ لم تعد للأستاذ الباحث تلك المكانة التي كان يحتلها في المجتمع بسبب الضربات الموجهة إليه ، تعدد في الإطارات، تشتت في النظام الأساسي  وقد كنا ندافع على أن نخلص واقع الهيئة من كثرة الاطارات في التعليم العالي فننقلها من 10 إطارات إلى 3 إطارات ثم إلى اطارين.  
– ضعف التكوين في كل المستويات.
– عدم التمكن من تقوية العلاقات بين الجامعة والمحيط الاقتصادي والثقافي والمدني.
– التراجع البين في مسألة استقلالية الجامعة و المؤسسات والعودة إلى مركزية القرارات في التعليم العالي، 
– عدم التمكن من تحسين جودة التعليم العالي.
– فشل في خلق فرص تشغيل الخريجين.
– صعوبة تحديث التدبير والتسيير الإداري و البيداغوجي للحياة الطلابية والأساتذة الباحثين والموظفين.
– ضعف نسبة التسجيل في التعليم العالي إذ لم تتجاوز 13% بينما في  دول أخرى تبلغ 46% و 60% وأكثر.
– ضعف تمويل البحث العلمي الذي لم يتجاوز0.8% وتشتت في مؤسساته وعدم تمكن أغلب الجامعات ومؤسساتها من خلق دينامية خاصة لتشجيع البحث العلمي.
–   عنف في الجامعات ، و ضرب لأخلاق المهنة في مجموعة من المواقع الجامعية و فضائح في المحاكم بين الأساتذة وبينهم وبين الطلاب و بين الإداريين و الأساتذة ،
– ضعف الخدمات الاجتماعية للطلاب والأساتذة والإداريين.
– توزيع جغرافي غير ملائم للجهوية .
– غلبة التكوينات النظرية على حساب الأشغال التطبيقية والتوجيهية المنعدمة في كثير من الأحيان.
– فساد التكوين المستمر في مجموعة من المواقع الجامعية شكلا وطرق تدبير وغياب الشفافية. 
–  ازدياد الهدر الجامعي لأكثر من نصف مليون طالب دون الحصول على الإجازة . 
– وضعيات المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين تدعو للقلق من حيث تعدد الجهات المتدخلة و غموض رسالتها و خليط مكوناتها و عدم ملاءمة بعض بنياتها .
–  تعقد المساطر المالية المطبقة على التعليم العالي مع تطبيق  نظام المراقبة القبلية  بينما الجهات والجماعات المحلية يطبق عليها نظام المراقبة البعدية       
–  تشتت مؤسسات التعليم العالي إذ هي تحت اشراف  17 قطاع وزاري و هذا هدر للمال ، للطاقات البشرية ، للإمكانات المادية ، وتشتت في التخطيط ، عبث في التصور.السؤال  : ما هو تصوركم للنهوض بهذا القطاع و تجاوز ازماته .

الجواب :   انطلق بدءا بالقول ان  اشكال المنظومة لا يرتبط اساسا بالجوانب المالية فميزانية التعليم العالي و البحث العلمي المحددة سنة 2016   تتجاوز 10 ملايير درهما لميزانية الاستثمار و التسيير مع اضافة الامكانات المالية الضخمة التي يجلبها للمؤسسات الاساتذة الباحثون في اطار اتفاقيات و ميزانيات التعاون الدولي و غيرها  .
اما  الاقتراحات فاعتقد ان من بين  الاجراءات المستعجلة ما يلي :
– وضع نظام أساسي جديد للأساتذة الباحثين حتى نتمكن من القطع مع    التشتت الحاصل في جسم الأساتذة الباحثين و تحفيزهم على البحث و التأطير و التسيير و الإدارة ، نظام أساسي يقوم على أربعة أزمنة، زمن التدريس ، و زمن التأطير و زمن البحث و زمن الخبرة و الاستشارة ،      نظام أساسي جديد بإطارين أستاذ محاضر وأستاذ التعليم العالي مع فتح المجال في إطار عقود للشباب الحاصل على الدكتوراه للاشتغال في مؤسسات التعليم العالي بمنحة شهرية تبلغ 7000.00 مع وعد بالتوظيف ، إن توفرت الشروط كاملة ، و خلق إطار أستاذ فخري لدى الجامعات في إطار عقود يمنح بشروط.
– مراجعة القانون 01.00 بما يتماشى مع الوضعيات الجديدة لمؤسسات التعليم العالي خصوصا ما يهم تركيبة المجالس وأدوارها ومهامها ورئاسة الجامعة والعمادة وباختصار الأمر يتعلق بما يقارب 35 مادة و ملاءمته   مع القانون الإطار الذي ستصادق عليه الحكومة.
– التنفيذ الفعلي لمفهوم استقلالية الجامعة و الابتعاد عن مركزة القرارات مع التفكير العميف في تقوية ادوار و مهام العمداء و المدراء و اعطاء المؤسسات الاستقلالية .
– عدم التسرع في اتخاذ القرارات  الارتجالية  من مثل قرار إنشاء مجموعات تيك و ذلك بتجميع مؤسسات ENSA و EST و FST  بسبب ما  ترتب عنه  من  مشاكل هيكلية و تدبيرية و انعكاساته على وضعية الطلاب و الاساتذة بهاته المؤسسات  و قرار إلغاء مادة الشفوي في امتحانات ولوج الماستر و الذي عرف تناقضا صارخا في تطبيقه  …
– ملاءمة المنظومة مع نظام الجهوية المعتمدة اليوم بما يناسب المعطيات الاقتصادية والاجتماعية وتطورها السريع وطنيا ، إقليميا و دوليا مع إعادة تنظيم التعليم العالي في أقطاب متكاملة يستجيب كل منها للمعطى الجهوي والوطني وكذا الإقليمي و الدولي ، نظام يبقي على تكوين الأطر و النخب وكذا يهيء الطاقات الواعدة لسد الخصاص في مجموعة من المهن  والمجالات. منظومة يتحمل فيها الكل المسؤولية علميا ، تربويا ، إداريا ، ماليا ، اساتذة باحثون و موظفون و طلاب وتقوم فيها الحكومة والجماعات الترابية والقطاع الخاص و المؤسسات العمومية بالأدوار المنوطة بها،  حتى نتمكن من ان يكون لنا تعليم عال يساهم في تكوين الاطر و اعداد النخب و تأهيلهم للانخراط في الحياة العملية قلب المجتمع الحداثي الديمقراطي المتطور الذي يرقى الى مصاف الدول المتقدمة التي ينعم فيها المواطن بالحرية و الكرامة و العدالة الاجتماعية و حرية التعبير و التعايش مع الحق في الاختلاف .

  و اخيرا فاني  اعتقد انه يجب اتخاذ قرارات قوية في مجموعة من القضايا. بالمنطق البراكماتي اللازم و بالأخلاق العالية المستندة أساسا الى خصال القدرة على الإنصات  و الحوار  و الإقناع و عدم التسرع  في اتخاذ القرارات و استخلاص النتائج من كل ذلك حتى يتم التمكن من   ان نجعل من التعليم العالي و البحث العلمي القاطرة الحقيقية للتنمية المنشودة ببلدنا و ان نجعل من الثلاثي المكون للمنظومة طرفا اساسا فيها اقصد الاساتذة الباحثين و الطلاب و الموظفين اذ لا يمكن بغياب احد هاته الاطراف ان تبلغ المنظومة مبتغانا جميعا . و سأعود لافصل في مجموعة من الظواهر  بالإشارة المباشرة لموقعها.

• محمد الدرويش 
– رئيس جمعية الخدمات الاجتماعية للتعليم العالي و تكوين الاطر .
– الكاتب العام السابق للنقابة الوطنية للتعليم العالي .