كان طبيعيا أن يطرح الفكر العربي، بمختلف اتجاهاته، قضايا أساسية غداة احتكاكه بالغرب الاستعماري، كقضايا التراث والهوية والتجذر التاريخي وما يرتبط بها من مفاهيم كالخصوصية والكونية والوحدة والقطيعة. فقد عودنا التاريخ الحديث أن مثل هذه القضايا تطرح في تشابكها، وارتباط بعضها ببعض، كلما واجهت الذات المتصدعة تحديا من الآخر يوقظها ويدفعها إلى الفعل ورد الفعل: فأمام فروق متعددة تقوم الذات كهوية ووحدة، وتكون من التمايز بحيث تصبح الفروق التي تنخر الآخر من الضآلة لدرجة أنها تمحي أمام هذا الاختلاف الأساس. وفي هاته الحال تلجأ الذات إلى البحث عن جذور متأصلة تقوي وحدتها وتؤسس هويتها، فتطرح مسألة التراث وكيفية تملكه، ومشكلة الهوية والخصوصية وطريقة صيانتها وتأصيلها.

يأتي طرح مسألة التراث، إذن، ليؤكد أن هذه الهوية التي تقوم في الحاضر ككيان موحد، قد كانت دوما على هاته الحال. وأن الوحدة التي تشد أطرافها وحدة غارقة في الزمن متجذرة في التاريخ.

وعلى رغم ذلك، فإن الربط بين مسألة التراث وقضية الهوية، إن كان موحدا في المظهر، فهو يتخذ شكلين متباينين متعارضين: فإما أن يرتبط حديثنا عن التراث بفلسفة متوحشة عن الهوية ترفض الآخر، أو على الأقل ترمي به “خارج” الذات، ولا تنظر إليه كهوة تقطن الذات وتبعدها عن نفسها، وإنما كطرف آخر، يجيء من “خارج” يقابل الذات ويتعارض معها، وفي هذه الحال تطرح قضية التراث داخل فلسفة التطابق ومنطق الوحدة والاتصال فيرتبط طرحها بالبحث عن التأثيرات والاستمرارات، عن الاستقرار والدوام: دوام الخصائص التي تميز الذات والسمات التي تخصها ودوام الأرض التي نحيا عليها، واللغة التي نتكلمها، والفكرة التي نعتقد حقيقتها.

فلكي نثبت أن حاضرنا يستند إلى ضرورات قارة وركائز عميقة، نلجأ إلى التراث تزكية لهذا الوهم بالخلود، وإثباتا للـ”نحن” وحفظه وصيانته. وهنا لا مجال للتعدد والكثرة، أو الانفصال والقطيعة. فلا يكون الحديث عن التراث إلا بصيغة المفرد، بل بصيغة التعريف: فكل الاختلافات تمحي، وكل الانفصالات والقطيعات تذوب، وكل التحولات تنصهر لتفسح المجال لكيان موحد، وتتيح الفرصة لظهور هوية خالدة على مسرح التاريخ.

أما إذا ربطنا قضية التراث بفلسفة مغايرة عن الهوية، حيث لا يعود السلب والنفي مجرد لحظة في بناء الهوية، وحيث يقحم الآخر “داخل” الذات ويصبح قائما فيها، ويغدو هو البون الذي يفصلها عن نفسها، ولا يعود مجرد “ذات” تقابل الذات وتتعارض معها من “خارج”، فحينئذ سيبرز التراث في غناه وتعدده، ولا يعود اللجوء إليه تزكية للوهم بالخلود، وإنما إصغاء لأصواته وتملكا لفراغاته وحفريات لصمته.

إذا كان الموقف الأول، إذن، يعتبر الهوية معطى أول، فيقذف بالآخر في خارج مطلق ويجعل من التراث إحياء لنفس خالدة ووسيلة لتقوية الوهم بالخلود، فإن الموقف الثاني ينظر إلى الهوية كأمر يغزى ويكتسح، وإلى الآخر على أنه حركة التباعد التي تنخر الذات نفسها. وهو إذ يلتفت إلى التراث فلكي يتساءل كيف ترسخت أصوله وثبتت نماذجه وتشكلت ذاكرته؟

ذلك أن الأمر يتعلق، في النهاية، بموقفين متباينين من الزمان: زمان الاتصال وزمان الانفصال. فإما أن ننظر إلى الزمان كصيرورة يفصل فيها حاضر متحرك الماضي عن المستقبل، أو نجعل منه حركة التباعد التي تنخر الحاضر نفسه، وتمنعه من أن “يحضر” ويتطابق، فتمنع بذلك “الذات” أن تمثل لنفسها، وتجعل الهوية حركةً ونشاطا وفعالية وليس تغنيا بأمجاد ضائعة، والأهم من ذلك أنها تنقل الآخر ليسكن الذات فلا يظل مجرد مهدد خارجي يتصيد لحظات “الغزو” والاكتساح.

يجر طرح مسألة التراث إذن إلى قضايا متشابكة مترابطة كمسألة الهوية والاختلاف، ومفهوم التقليد والتاريخ، ومسألة الاتصال والانفصال، والوحدة والتعدد،والخصوصية والكونية والحداثة والتحديث.

في القطيعة:

هذا التشابك يزداد تعقيدا إن نحن أخذنا بعين الاعتبار اللوينات التي تتخذها مختلف المواقف من مختلف القضايا التي أشرنا إليها، فالذين يقولون بالانفصال والقطيعة على سبيل المثال، يختلفون فيما بينهم حول مفهوم القطيعة ذاته، هناك من يؤمن بما يمكن أن ندعوه مفهوما وضعيا عن القطيعة، فيعتقد أن رباطنا بالتراث قد انقطع نهائيا وفي جميع الميادين “وأن الاستمرار الثقافي الذي يخدعنا لأننا ما زلنا نقرأ المؤلفين القدامى ونؤلف فيهم إنما هو سراب، وسبب التخلف الفكري عندنا هو الغرور بذلك السراب وعدم رؤية الانفصام الواقعي”.

مقابل هذا المفهوم الوضعي عن القطيعة يقوم مفهوم مغاير يعتبر الانفصال عن التراث عملية صعبة، والأهم من ذلك أنها عملية غير تلقائية، فلا سبيل هنا إلى فقدان التراث إلا بتملكه، والانفصال لا يمكن أن يكون إلا إعادة ربط، والهدم إلا إعادة بناء.

فعلى عكس الموقف الأول الذي يطرح قضية التراث داخل كرونولوجيا تفصل بين أنماط الزمان التقليدية، فإن هذا الموقف ينظر إلى أنماط الزمان “من حيث إنها تتعاصر خارج بعضها البعض بحيث لا يغدو الحاضر هو الآن الذي يمر، بل ذاك الذي يمتد بعيدا حتى يبلغ المستقبل الذي يستجيب للماضي” يميز هذا الموقف إذن بين البداية الزمنية والأصل. ويعتبر أن الفروع تؤسس الأصول وتعطيها معانيها. وحينئذ لا يغدو التعلق بالتراث والعودة إلى الأصول مجرد إشباع فضول معرفي، وإنما متابعة الكيفية التي ترسخت بها “طرق في العمل والإنتاج، وأساليب في الإقناع ومقاييس للقبول والرفض”. إنها إذن جينيالوجيا ثقافة بكاملها. وهي جينيالوجيا تميز الهوية عن التطابق وتعتبر أن لا شيء، حتى تراثنا ذاته “يعطانا كما لو أنه نعمة” كما تعتقد أن الآخر يقيم في كياننا، وأنه ليس مجرد ذات تتميز وتتمايز عنا.

في الاختلاف والتمايز:

ينبني هذا الموقف إذن على الفصل الأساس بين مجرد التمايز وبين الاختلاف الحق. ذلك أن الاختلاف ليس مجرد التميز والتمايز. فبينما يضعنا الاختلاف أمام متخالفين مبعدا أحدهما عن الآخر، مقربا بينهما في الوقت ذاته، بينما يعرض علينا الاختلاف أشياء يتنوع وجودها ويتباين وقد اجتمعت في الحضور ذاته، فإن التميز يعرضها أمامنا متباعدة منفصلة، متدرجة. في الاختلاف تمتد “الأشياء” في خط أفقي متباينة متصالحة، وفي التميز تنتظم وفق سلم عمودي متمايزة متفاضلة. الاختلاف ينخر الكائن ذاته ويصدع الهوية، أما التميز فيتم بين هويات متباعدة، وكيانات منفصلة.

لهذا، فعلى رغم الرواج الكبير لمفهوم الاختلاف في الثقافة العربية المعاصرة، لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أن الأمر لا يتعلق، في غالب الأحيان، إلا بمفهوم التميز. فكل ما نسمعه عن “الحق في الاختلاف” و”اختلاف الجنسين”، وعن الاعتراف باختلاف الثقافات والحضارات والأجناس واللغات، لا يعدو إقرارا بالتمايز والتميز. الاختلافات التي يعج بها الخطاب العربي مجرد تميزات تكون في أحسن الأحوال “اختلافات” أنثروبولوجية، وفي أغلبها “اختلافات” جغرافية، بل عرقية.

أما الاختلاف فهو “مفهوم” أنثولوجي، وليس مجرد مفهوم أنثروبولوجي، وبالأولى جغرافي أو استراتيجي. إنه المفهوم الذي بفضله يتحدد الكائن كزمان وحركة، ويصبح بفضله التعدد “خاصية” الهوية، والانتقال والترحال “سمة” الذات، والانفتاح والتصدع “صفة” الوجود. وهكذا فالاعتراف بالاختلاف اللغوي، على سبيل المثال، لا يعني التسوية فيما بين اللغات وإلغاء التمايز بينها، ولا يعني بالأولى إحلال لغة مكان ومكانة أخرى، وإنما إعادة النظر في نظرية اللغة بعينها، وفي تحديد اللغة بما هي كذلك، والنظر إلى الازدواجية اللغوية أو التعدد اللغوي كمكونين للغة، ضامنين لحياتها لا كخطر يهدد اللغة ويمسها في كيانها. القول بالاختلاف اللغوي هو الاعتراف بأن اللغة “بابلية” بالتحديد. قس على هذا قضايا اختلاف “الملل والنحل…” والهويات. إن الأمر لا يتعلق بالتسوية والانفصال المطلق، وإنما بتعيين الهوية كحركة لتوليد الفوارق والاختلافات.

في الآخر:

يترتب على هذا أن كل الدعوات الإيديولوجية التي تكتفي بتحديد هوية موهومة لتجعل من كل ما عداها آخر، تتناسى، أولا وقبل شيء، العمل الجبار الذي يكون على الذات أن تقوم به لتجعل من الغير آخر “ها” وتتمثله. وهو تمثل أكثر عسرا وعناء من “التمثل” الطبيعي الذي تقوم به الكائنات النباتية، خصوصا إذا علمنا أنه يجمع بين عمليتي الإدخال والإخراج، التملك والفقدان، والتذويت والموضعة في العملية ذاتها. ذلك أن تملك الغير هو في الوقت ذاته فقدان وخروج وانفتاح، إنه عملية هدم وبناء، تشييد وتقويض، إيجاب وسلب، نفي وإثبات.

الغير لا يصبح آخر تلقائيا، فكما أن الذاتي ينبغي تملكه، وكما أن الهوية يلزم اكتساحها وغزوها فإن الغير لا يغدو آخر إلا إذا حول عن تحديداته المهيمنة. فهو المجال المفتوح لانفصالي اللامتناهي عن الآخر والتقائي اللامتناهي معه.

هذا الانفتاح وذلك الانفصال واللاتناهي، كلها مفاهيم تبعد الهوية عن كل تخشب واستقرار وثبات. بل وتنفي عنها الانغلاق والتوحد فترمي بها في تعدد لا متناه.

نلمس هنا مفهوما قلما نجرؤ على طرحه على بساط النقاش الفلسفي عندنا هو مفهوم التعدد. ولا نعني هنا التعدد اللغوي وحده، بل التعددية الحزبية والدينية والفكرية وما يقابلها من مفهوم عن الوحدة في جميع مستوياتها.

في التعدد والتوحيد:

لقد واكب المدَّ الديمقراطي الذي أخذ يجتاح العالم والدفاع عن حقوق الإنسان حديث كثير في وطننا العربي عن التعددية، وإعلاء كبير لقيمة التعدد. فمقابل الواحدية الحزبية ووحدة اللغة وأحادية الرأي، نودي بتعدد الأحزاب وكثرة الآراء، بل وتعدد اللغات.

إلا أن المثير للانتباه أن معظم الحركات التي قامت لترسي التعددية وتؤسس الديمقراطية وتفتح الأبواب للتحرر، غالبا ما انتهت إلى بث الفوضى وإقامة الرعب ونشر البلبلة. فهل يعني ذلك أن التعددية ذاتها موسومة بلعنة الشغب والفوضى؟ أم أنها تفترض طريقا ممهدا ومرحلة سابقة؟ وماذا لو كانت هناك أشكال متباينة للتعددية ومعان متعددة لمفهوم التعدد؟‍‍‍‍!

لا مجال هنا للإجابة عن كل هاته الأسئلة ويكفي أن نقف على الطابع الذي يميز التعدديات التي أشرنا إليها، والتي تنتهي إلى الفوضى الاجتماعية والبلبلة الذهنية. فما يميز هذه التعدديات هو أنها لا تنفصل عن مفهوم الوحدة: إنها تحاول أن تقيم وحدات أخرى إلى جانب الوحدة، فتضيف أحزابا إلى الحزب، وآراء إلى الرأي، ولغات إلى اللغة. لا تروم التعددية هنا خلخلة مفهوم الوحدة، وإنما إقامة وحدات أخرى إلى جانب الوحدة القائمة. التعددية بهذا المعنى تعداد، إنها مفهوم حسابي “عددي” يجعل الوحدة كثرة. ومعروف أن توليد العدد في الحساب يقوم على إضافة “وحدة” إلى العدد الذي يتقدمه.

وراء هذا المفهوم عن التعددية تكمن الوحدة، وفي النهاية، نكون أمام مفهوم واحد سميناه: تعددا أم وحدة.

لعل هذا ما جعل البعض منا يذهب حتى الدعوة إلى نبذ مفهوم الوحدة ذاته لما اعتراه من شدة الاستعمال الإيديولوجي والإنهاك الفكري، ولما يحمله من شحنة ميتافيزيقية عريقة في القدم. والظاهر أن موقف هؤلاء لا يخلو من صواب، فربما كان مفهوم الوحدة من أكثر المفاهيم توظيفا عندنا سواء في السياسة وفي المعرفة أو في الاجتماع. حتى لكأنه غدا من غير دلالة محددة. وعلى رغم ذلك يبدو أن هاته الدعوة إلى الرفض المطلق لا تقل ميتافيزيقية عن ميتافيزيقية المفهوم المعني بالأمر. ذلك أننا ينبغي أن نميز، هنا كذلك، بين مفهومين متعارضية متضادين عن الوحدة والتوحيد.

فهناك بالفعل ما يمكن أن ندعوه التوحيد الميتافيزيقي وما يميزه أنه توحيد اختزالي هدفه إرجاع العناصر جميعها إلى عنصر أساس وردها إليه بحيث لا تغدو العناصر الأخرى تفردات تقوم إلى جانبه، وإنما فروعا تصدر عنه. هذا التوحيد هو، في نهاية الأمر، إلغاء للتعدد واختزال له. عن طريقه تؤول العناصر العرقية واللغوية والحزبية والطائفية.. إلى أصل أساس، لا يجمع العناصر الأخرى وإنما يلغيها أو يردها إلى مرتبة ثانية ورتبة تالية وموقع ثانوي.

لكن هذا النوع من التوحيد لا يمكن أن يلغى لوحده، فهو صلب صلابة الميتافيزيقا. ولا يكفي النداء بإلغائه كي يزول. وهو لا يقهر إلا بتفكيكه ومقابلته بموقف مخالف عن الوحدة. ذلك الموقف الذي لا يختزل العناصر الأخرى، وإنما يترك لكل عنصر نصيبه من التميز ويتيح للعناصر جميعها حرية الحركة هاهنا لا يتعارض التوحيد مع التعدد، وإنما يضمه ويحتضنه. ورغم ذلك فليست علاقة الوحدة بالتعدد كعلاقة الكل بالأجزاء، أو المجموع بمكوناته، وإنما كعلاقة الهوية بالاختلاف. فالاختلاف كما قلنا، لا يكتفي بأن يقر بتبعثر الكائنات وتمايزها وتشتتها وإنما يجر بعضها نحو الآخر، فيوحد بينها بفعل ذلك التباعد ذاته.

تتميز هذه الوحدة الثانية عن الأولى مثلما تتميز الهوية عن التطابق. فالهوية ليست هي التطابق لأنها ترعى الاختلاف وتترك للتفردات نصيبها في الوجود، بل إنها لا تقدم نفسها إلا كحركة لا متناهية للضم والتباعد، أما التطابق فلا يكتفي بأن يضم كل التفردات في كل موحد بل يلغي أغلبها ويقضي عليه في سبيل إعلاء عنصر على حساب العناصر الأخرى. الوحدة الثانية وحدة تعددية. أما الأولى فهي اختزالية لا تقوم بعمليات جمع وضم، وإنما بعمليات قسمة واختزال.

على هذا النحو فإن إنسان التعددية ليس هو الذي يحمل عدة جوازات ويتكلم عدة لغات وإنما هو ذلك الكائن السندبادي الذي “يوجد” بين لغات وثقافات.

في الكونية:

هذا “البين-بين”، هذه البينية تدعونا إلى إعادة النظر في كثير من مفاهيمنا الأساسية. ذلك أن العالم يفرض علينا اليوم، بما يتسم به من جدة، إعادة النظر في أسئلتنا ذاتها. لقد كنا نحاول، فيما سبق، تحديد ذواتنا فرديا وقوميا، داخل عالم محدد المعالم، كنا نبحث عن مكان في رقعة مرسومة مبوبة “معقولة”. لقد كنا ثالث اثنين أو جنوب شمال. أما اليوم فإننا نتساءل عن الحدود في عالم بلا حدود، ونبحث عن مرجعية في فضاء بلا مراجع، وعن لون خاص في عالم بلا ألوان. ذلك أننا لا يمكن أن نغفل أن الفكر غدا اليوم، ولأول مرة في التاريخ، وبفضل سيادة التقنية، فكرا كوكبيا كونيا، وهذا ليس لافتراض كونية ميتافيزيقية وفكر شمولي، وإنما للتغير الذي لحق الوجود بفضل اكتساح التقنية فأصاب، تبعا لذلك مفهوم العالم. فما يطبع العالم اليوم من انتشار موحد لنماذج التنمية والتصاميم والمخططات وتطور أدوات التواصل واكتساح الإعلاميات لكل الحقول، وفرض لمفهوم جديد عن الزمان، إن كل هذا لم يعد يخص منطقة من مناطق العالم دون أخرى. فالكوكبية لا هوية لها. بل إنها هي التي تحدد اليوم كل هوية. على هذا النحو يغدو الانخراط فيها -أو عدم الانخراط- ليس وليد قرار إرادي يتخذه فاعل سيكولوجي أو ثقافي، وإنما هو قدر تاريخي يرمي بإنسان اليوم في الكون، وبالفكر في الكونية.

يتعذر علينا، والحالة هاته، أن نميز بين خصوصية تحن إلى العالمية وأخرى تهابها أو ترفضها. بل إن ما دأبنا على التمييز بينه من أصالة ومعاصرة ربما فقد كل معنى. إذ أن كل أصالة لا يمكنها اليوم أن تكون إلا كيفية من كيفيات المعاصرة. وربما غدا من المتعذر حتى تمييز الأصيل عن غير الأصيل بإطلاق. فكل ما هناك هو كيفيات أصيلة للمساهمة في الكونية والمشاركة في الكوكبية.

لن يتبقى أمامنا، والحالة هاته، إلا أمران: غض النظر عن التحولات الجذرية ومحاولة جرها إلى ما هو قديم، وقولبتها حسب مقولاتنا التقليدية، أو إعادة النظر في جهازنا المفاهيمي، ومحاولة فهم العالم، بما أصبح يقتضيه العالم. إما جر ركام التقليد، أو الانفتاح على الحداثة.

في الحداثة:

وعلى ذكر الحداثة لا بد أن نختتم هذا العرض الوجيز بالتوقف عند الكيفية التي نروج بها لهذا المفهوم عندنا. فالظاهر أن شغلنا الشاغل هو الحديث لا عن الحداثة بل عما بعدها. ولتوضيح المسألة ربما وجب التمييز بين مفهومين عن الحداثة أو لنقل بين موقفين: موقف كرونولوجي ينظر إلى الحداثة كحقبة تاريخية، ثم موقف، لا أقول بنيويا، وإنما أفضل أن أنعته بالموقف الاستراتيجي، وهو الذي يعتبر أن موقف الحداثة، منذ نشأته، قد وجد نفسه في مواجهة المواقف المضادة للحداثة.

لا يتعلق الأمر إذن بالمقابلة بين البنية والتاريخ، بمقدار ما يتعلق بالتقابل بين السلم والحرب. ذلك أن الموقف الأول، ولعله أكثر رواجا عندنا، يتميز أكثر ما يتميز ببرودته الوضعية، وسمته الوصفية التقريرية التي تنظر إلى الحداثة كمجموعة من المميزات التي تطبع حقبة تاريخية معينة، حيث يتم إيجاد مكان لها داخل يومية تتقدمها حقبة “ما قبل الحداثة” وتتبعها حقبة “ما بعد”. ربما لا ينبغي أن ننعت هذا المفهوم حتى بالموقف، إذ لا يتعلق الأمر أساسا باتخاذ موقف أكثر مما يتعلق بتحقيب التاريخ وتقطيع الزمن.

أما المفهوم الآخر “فهو يعتبر الحداثة موقفا عوض اعتبارها حقبة من حقب التاريخ. وأعني بالموقف شكلا من العلاقة مع ما يحدث في الوضع الراهن، واختيارا واعيا ونمطا من التفكير والإحساس، وطريقة في السلوك والاستجابة التي تدل على انتماء معين وتظهر كمهمة يجب الاضطلاع بها”.

الحداثة، بهذا المعنى الثاني، مسؤولية تاريخية وموقف نضالي ووعي بالحركة المتقطعة للزمن من حيث إنه قطيعة مع التقليد، وإحساس بنشوة ما يمر. إنها اللحظة التي يصبح فيها الانفصال من صميم الوجود ويغدو نسيج الكائن ولحمته بحيث لا يعود الكائن مترابط العناصر سواء أكان ذلك على مستوى المعرفة أو المجتمع أو الطبيعة فتظهر الانشطارات داخل ما اعتبره التقليد مواقع الانسجام والوحدة ويتبين أن “كل صلب لا بد أن يتبخر”.

هذه هي الحداثة التي نعتقد أنها تهمنا، فهي لا تقابل ما قبلها ولا ما بعدها وإنما تقابل ما ليس إياها، أي تقابل التقليد. إنها ليست دورا تاريخيا وإنما نمط وجود وهي، كما قال بودلير، “المتنقل الهارب الطارئ”.

إن انخراطنا في الحداثة لا يعني إذن أن نتعرف على سير التاريخ ونقف عند حركته الدؤوبة، وإنما أن نتخذ موقفا منها. وليس أن “نقف على” وإنما أن “نقف من”.

على هذا النحو يبدو أن الطرح التأريخي الذي يشغلنا فيما يتعلق بالحداثة ليس من شأنه أن يجعلنا منفتحين عليها. فالحداثة كما قلنا، لا تقطع إلى ما قبل وما بعد، لأنها هي نفسها حركة قطع وقطيعة وانفصال. وهي ليست فترة تبدأ من نقطة وتنتهي عند أخرى لأنها بداية متجددة وموقف لا متناه. ولا داعي أن نذكر من جديد بأن هناك قطيعة وقطيعة وانفصالاوانفصالا.

وبعد …

ها نحن من جديد نعود إلى حيث انطلقنا وإلى الحديث عن الزمان التاريخي وعن الانفصال والقطيعة، أفلا تكون مسألة الزمان هي قضية القضايا في فكرنا العربي؟! وربما في هاته النقطة بالذات نحن لسنا بعيدين عن روح الفكر المعاصر. إذ لا ينبغي أن ننسى أن هذا الفكر، مهما كانت مشاربه، سواء جعلناه ينطلق من كتاب هايدغر الأساس، أو من الفكر الجدلي وعبارة ماركس المحتشمة في مخطوط عن الإيديولوجيا الألمانية حينما كتب: ليس هناك إلا علم واحد هو علم التاريخ، أقول إذن إن قضية الزمان هاته التي يبدو أن الفكر المعاصر يجعل منها قضية القضايا هي أيضا قضيتنا الأساسية، سواء فيما يتعلق بانفتاحنا على الحداثة أو تملكنا لتراثنا، ذلك التملك الذي قلنا إنه لا يمكن أن يكون إلا انفصالا لا متناهيا عن الأصول، ذلك الانفصال الذي كان أحد أقطاب تراثنا الفكري يجمله في عبارة كم يحلو لي أن أرددها في هذا الفضاء الرمزي الذي تنعقد فيه ندوتنا: إنها النشأة المستأنفة(*).