كما هو ديدن عديد الوزراء المتعاقبين على تدبير الشأن العام في إطلاق الكلام على عواهنه دون كوابح، وعدم التردد في إسقاط إخفاقاتهم وتفجير أحقادهم على الآخرين، لاسيما أثناء الرد على الأسئلة في الجلسات العامة بالبرلمان، وعند الإدلاء بآرائهم لوسائل الإعلام، حول مشاكل قطاعاتهم أو غيرها من القضايا التي تشغل بال الرأي العام الوطني. أبى محمد بنعبد القادر، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإصلاح الإدارة والوظيفة العمومية، إلا تسليط لسانه على نساء ورجال التعليم، في أحد الأشرطة المتداولة على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي والواتساب.

     وإذا كان يفترض في كل من يحظى بشرف المثول بين يدي عاهل البلاد محمد السادس وأداء القسم، أن يكون فضلا عن كفاءته ونجاعته في القيام بواجبه، متحليا بالقيم الأخلاقية والحكمة والتبصر، مؤمنا بأحكام القانون ومقتضيات الدستور ومتشبعا بروح المواطنة الصادقة والشعور بحجم المسؤولية، حريصا على حسن اللباقة في الحوار والتواصل، تفاديا للمغالطات والاستفزازات وما يمكن أن يترتب عنها من احتقان شعبي، فإن وزراء عدة للأسف لم يصلوا بعد إلى مستوى النضج والرصانة وحسن تقدير الأمور. وإلا ما كان للملك أن يوجه انتقادات لاذعة لكبار المسؤولين والموظفين والطبقة السياسية، معلنا أمام الملايين، في خطاب تاريخي بمناسبة الذكرى 18 لاعتلاء عرش والده الراحل الحسن الثاني، عن فقدانه الثقة في بعض السياسيين، وعدم اقتناعه بالطريقة التي يمارسون بها السياسة، بعد أن أخفقت الأحزاب في الاضطلاع بوظائفها إن على مستوى الوساطة وتأطير المواطنين وتكوينهم سياسيا أو على مستوى تدبير الشأن العام، معاتبا قادتها على انشغالهم بتصفية الحسابات الضيقة والمعارك الوهمية، مما ساهم في إفلاسها وأدى إلى انزياح السياسة عن أبعادها الإنسانية النبيلة.

     فنساء ورجال التعليم أصبحوا سواء في عهد الحكومة السابقة أو الحالية، بمثابة شماعة يعلق عليها مختلف أنواع الفشل، هم المسؤولون عن فشل المدرسة الوطنية وانهيار الأخلاق، وعن ارتفاع نسب الفقر والأمية والبطالة والجريمة، وعن انتشار حبوب الهلوسة والمخدرات واتساع الهوة بين الطبقات الاجتماعية… لذلك لم يجد بنعبد القادر غضاضة في جرح كرامتهم، وهو الذي كان إلى عهد قريب ينتسب إلى أسرتهم كمفتش ممتاز. إذ بدون أن ترف له جفن أو تحمر له وجنة، استكثر عليهم الاستفادة من عطلتهم السنوية على غرار باقي الموظفين في قطاعات أخرى، حيث استنكر السماح لهم في نهاية السنة الدراسية بتوقيع محضر الخروج والذهاب للراحة والاستجمام مخلفين وراءهم ثلثي من التلاميذ الراسبين، من غير أن تتم محاسبة لا المدرسة ولا رئيسها ولا الطاقم المؤطر لها على النتائج السيئة لتلاميذ أبرياء وليسوا أغبياء… وأنه يتعين العمل على جعل القرار الملكي القاضي بحرمان الوزراء، الذين لهم علاقة مباشرة بتعثر البرنامج التنموي “الحسيمة منارة المتوسط” من العطلة الصيفية، نموذجا يحتذى به… وهذا ليس سوى “نصف وزير”، فما بالكم لو كان وزيرا “كامل الأوصاف”؟

     إن ما ذهب إليه الرجل لا يعني عدا تفويت فرصة الاستمتاع بالعطلة على كل مدير(ة) أو مدرس(ة)، لم يتمكن من قيادة تلاميذ مدرسته أو المنتمين لفصوله الدراسية، إلى الانتقال أو النجاح في الامتحانات الإشهادية. ناسيا أن مثل هذا الإجراء قد يشجع على عدم الانضباط والتساهل في تقييم مستوى التلاميذ، وظهور نقائص أخرى ليست في صالح المدرسة ولا المجتمع ككل. ثم هل بنفس العقاب سيتم التعامل مع الأطباء والممرضين عند الفشل في التشخيص وعلاج المرضى والإنقاذ من الموت، ومع رجال الأمن والدرك الملكي حين العجز عن الحد من وقوع الجريمة وإلقاء القبض على اللصوص ومروجي المخدرات…؟ شيئا ما من المنطق يا وزراء آخر الزمان !

     ألم يكن جديرا بمن يدعي الغيرة الوطنية في الدفاع عن المنظومة التعليمية، أن يكون منسجما مع موقف حزبه “الاتحاد الاشتراكي”، والتصدي بقوة لمسلسل التوظيف بالتعاقد، لما له من انعكاسات خطيرة على ناشئتنا، بدل التأكيد في لقاء إعلامي سابق على أنه قرار استراتيجي، يهدف إلى الرفع من مردودية الإدارة العمومية وتحسين مناهج التدبير؟ فكيف له بمعية وزير التربية الوطنية محمد حصاد، الذي ما انفك يوجه لكماته القوية عبر قراراته العشوائية للمدرسة المغربية، السماح لمن يجهلون أبسط مبادئ التكوين البيداغوجي بتدريس فلذات أكبادنا؟ فأين نحن من الجودة وتكافؤ الفرص بين أبناء الشعب؟ ولم لا يعمم القرار على باقي القطاعات كالأمن والدرك الملكي والأطباء والقضاء والصحة…؟

     فنساء ورجال التعليم مفتشون وأساتذة وإداريون، بصموا التاريخ السياسي والتربوي والثقافي… بتضحياتهم الجسام وعطاءاتهم المتواصلة، وجعلوا من المدرسة الوطنية مشتلا لاستنبات خيرة الأطر والفاعلين السياسيين، الذين ساهموا في بناء المغرب الحديث، ولا يمكن لأي كان المزايدة على إخلاصهم وتفانيهم في العمل، والتنكر لما يبدونه من استماتة في مكافحة الجهل وتربية الأجيال وبناء العقول. إذ لولا مصداقيتهم وكفاءتهم، ما كان ليتم الاستعانة بهم في بعض الاستحقاقات الوطنية من قبيل المراقبة في الانتخابات والمشاركة في الإحصاء العام للسكان والسكنى.

     لقد كان من الأولى لسيادته توجيه مدفعيته نحو المسؤولين الحقيقيين عن إفلاس التعليم، والانكباب على محاربة ظاهرة الأشباح، التي تستنزف أموال الشعب وتعتبر من أبرز مظاهر الفساد الإداري وضعف الحكامة في المرفق العمومي، والحرص على معالجة اختلالات الإدارة العمومية وفق ما ورد في خطاب العرش الثامن عشر، بمباشرة الإصلاح والقطع مع هيمنة الممارسات البيروقراطية البائدة…

الاثنين 14 غشت 2017.