جودة الأفكار لا تأتي دائما من عقل مفارق للواقع أو عقل لا يشبه العقول الأخرى( اسبينوزا). فالعقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس والخلاف يكون في كيفية الاستخدام( ديكارت).

ان جودة الأفكار تتأتى من عقل متوثب للمعرفة, له من ملكة القياس والاستدلال والنقد ما يكفي للتمييز بين الأفكار المباشرة وبين تلك الباطنة. إنه عقل يتعالى عن القراءات التقنوية ولا يتماهى مع الاستهلاكي من القول والخطاب.

هذا العقل تاريخاني بشكل يسعفه في تفحص وقائع التاريخ وتقليبها كل مقلب ممكن وعدم الاطمئنان الى جاذبيتها واغرائها. عقل ينتقد تراثه ولا يعانقه بشكل طقوسي وقداسي. يفككه ويحفر فيه بكل طرق الحفر الممكنة.فالتراث بالنسبة له ليس حديقة خلفية للمبيت والسكون واللذة والاستمتاع, وكذلك الحاضر بالنسبة له ليس باحة استراحة أو مخدرا يعطل ملكاته فيتماهى مع كل الأفكار والسلوكات والروايات.
هل المشهد السياسي والحزبي بخير؟
لا…
هل المستقبل بخير؟
بدون شك هناك حالة قلق نفسي تدب في النفوس.

الأمر شبيه بحالة الترقب والقلق النفسي الكبيرة التي عليها أفراد قرية دجيكومو في رواية مائة سنة من العزلة لماركيز غارسيا. أو حالة الضوضاء الداخلية التي تخترق نفسية بطل رواية 1984 لجورج أوريل.

إنها حالة انتظارية كبرى مشوبة بالقلق من الحاضر والخوف من المستقبل كتلك التي يكون عليها أفراد القبيلة في انتظار قدوم سحرة المهرجان السنوي بألاعيبهم و لعبهم وأهازيجهم..

وحالة ضغط رهيب كتلك التي يكون عليها موظفو مكتب الاستعلام في وزارة الحقيقة في رواية جورج أوريل في انتظار خطاب كولدشتاين ممثل الأخ الأكبر والذي يلقيه مساء كل يوم عمل.

إن العالم برمته يعيش حالة ضغط نفسي كبيرة, فالصراع الاقتصادي وضغط الخطط السياسية والرغبة في كسب أكبر قسط من المنافع جعل الكل في حالة تلهف و تدافع وتنافس.

لقد أدخل الكل الى أكثر الوضعيات قسوة..وضع الناس في صراع يومي من أجل العيش وكسب القوت..وباسم الديمقراطية تم تحويل الافراد الى حشود من الناس يتشابهون في كل شيء, يفكرون بنفس الطريقة تسيطر عليهم رغباتهم وشهواتهم وتمارس عليهم سلطة لينة وصلدة, رحيمة وقاسية كما يقول دوطوكوفيل في كتابه ” الديمقراطية في أمريكا”.

إن هذا النموذج التي أعتبر ديدن ومرام الانسانية منذ قرون وخيضت من أجله عشرات الحروب و مئات المواجهات وملايين الاحتجاجات واعتبر أسمى أنماط الفكر البشري وأكثرها تجريدا..تحول اليوم إلى ما يشبه أداة للتسطيح والتوجيه والاستعباد.
لقد حدث تحريف حقيقي في ماهية هذه الديمقراطية وفي مراميها..وبعد أن كانت الألية العقلية الأسمى لتدبير الاختلاف و تعزيز الشعور بالانتماء أصبحت اليوم الطريقة التقنية لحسم الاختلاف والسلخ من الانتماء.

إن هذا ما أصبح عليه الأمر عندما أصبحت الديمقراطية هي الآلية التي يسخرها رجال المال و التقنيون لحسم الاختلاف.بهذا تحولت الديمقراطية الى مجرد وعاء عامر باللاديمقراطية.

إن هذا ما يحدث اليوم في أكثر البلدان احتضانا للديمقراطية. فالمنعطف الذي شهدته أمريكا بفوز رجل آفاقي كدونالد ترامب جعل الديمقراطية تحت سلطة المال وليست تحت سلطان الارادة الحرة للناخبين.

إن الاختيار لم يعد منطلقا بل أصبح نتيجة.إني لا أختار ذاك المرشح أو الاخر لأني مقتنع ببرنامجه الانتخابي و مواصفاته السياسية بل إني أصوت له لأن سلطة الاعلام وسلطة الوعود الانتخابية بتحقق بالحلم الأمريكي كانت حاسمة في تشكيل اختياري وتصويتي.

إنه تغير رهيب في مهام الديمقراطية بشكل يؤثر حتى في مفهومنا للهوية والحرية والواجب وبقية المفاهيم..إن هذا ما ينبه له ميشال هوتوا كثيرا في حديثه عن الأدوار الجديدة لوسائط الاتصال الجديدة.فالعالم يعيش قنبلة جديدة لها آثار سلبية علىكل مناحي الحياة وأساسا على اختياراتنا وهوياتنا.
كما أن الفيلسوف إدغار موران ما فتئ ينبه الى أن العالم اليوم أصبح تحت سلطة اللاهوية واللامنطق.

اليوم كل شئ يؤثر في كل شئ ولم يعد أمامنا الا أن نستكين بهدوء في قلب قاعة الانتظار المفتوحة في كل هوامش مركز العالم.
إننا في المغرب نعيش ارتدادات هذا الواقع حاكمين ومحكومين. إن سياساتنا لابد أن تخضع لتوجيهات وحتى إملاءات المؤسسات المالية المانحة. وهيكلة واعادة هيكلة قيمنا وأفكارنا و خططنا وسلوكنا ومجالات فعلنا لا بد أن تتأثر بما يحدث في المركز من خطط وسيناريوهات و استباقات. إننا نوجد في صلب خطط المركز وهذه القناعة يجب أن نحضنها ونؤمن بها اذ لا يجب أن نفكر بمعزل عن هذه الحقيقة أو إقصائها.

وعلى الفاعلين المركزيين في رسم سياسات وخطط هذا الهامش الذي نشكل مكوناته وأدواته أن يأخذوا كل المعطيات بما يجب من حرص.

وبالمقابل فهم مطالبون ما أمكن بتوسيع هامش المناورة و محاولة ملاءمة هذه المعطيات مع بيئتنا بجودة الاستنبات الضرورية حتى لا نصبح أمام واقع هجين تتعمق هجانته مستقبلا.

إن الاستفادة من التاريخ ضرورية تماما ولا بد هنا من التنبه إلى أن مشاكل الادارة والتعليم و الحقل الحزبي واقتصاد الريع التقليدي تعود أساسا إلى عمليات تنفيذ واستنبات خاطئة وحتى فاشلة في محطات ومراحل سياسية سابقة.

ولا بد من التنبيه هنا إلى أن وصفة تقننة السياسة و التنمية قبل الحرية لم تنجح دائما في عدد من التجارب الدولية. بل أنها إما خلقت فهما غير دقيق لمفهوم ووظيفة الواجب و الحرية و أدخلت الناس في حالة التباس مفتوحة.

الدولة باعتبارها عقل فوق الحساسيات والايديولوجيات و العصبيات و الألوان والمذاهب كما يذهب لذلك هيجل, فهي بدون شك ستتصرف على ضوء مصالحها ومصالح الأفراد حتى لا تتحول الى دولة مجتمع مدني تكتفي بمجرد تصريف الأعمال بعد أن تكون فقدت سيادتها.

في المشهد السياسي اليوم من الأفكار والدعوات ما يؤكد هذا القول. فملك البلاد قال صراحة أنه لا يجب تعطيل مصالح الناس لخلافات إيديولوجية أو صراعات سياسية.
ورئيس الحكومة قال بالحرف إن الكل مدعو لأن يستحضر المصالح العليا للوطن.
ورئيس مجلس النواب قال أن لا يجب اللعب بالنار في القضايا الحيوية للبلاد.

إن الأقوال الثلاثة ليست لمجرد أشخاص عاديين.فالملك هو رئيس الدولة وضامن استمراريتها دستوريا. والسيد العثماني هو رئيس السلطة التنفيذية معين ملكيا بتفويض شعبي. والسيد حبيب المالكي هو رئيس مجلس النواب بتفويض نيابي- شعبي.

إننا أمام سلط مركزية توحد خطابها من أجل هدف مركزي..المصالح العليا للدولة فوق كل شئ. وبالمقابل يجب قراءة خطاطة خطط المركز العالمي بكل الدقة والتوثب.

يملك العقل الخططي للمملكة ما يكفي من المعطيات وما يكفي من التوثب والقدرة على التحليل والاستدلال والنقد والاستباق ولهذا ما سيأتي في الأسابيع القادمة لا يمكن الا أن يكون جيدا من أجل مستقبل الوطن من دون شك.