20 أغسطس يوم له حمولة عميقة في وجدان المغاربة والجزائريين، وهو لحظة تجسد تلاحم الشعبين في مقارعة الاستعمار، وفي التطلع لإقامة كيان موحد، ظل هاجسا لدى النخبة الفكرية والقيادات السياسية فيهما، وحاضرا في وجدان الجماهير. ويحسن بالنسبة لجيل لم يعرف إلا الجفاء بين البلدين لأكثر من أربعة عقود من الزمن، أن يستحضر تلك اللحظة التي يحيل إليها هذا التاريخ، والتي جسدت التلاحم ما بين الشعبين.

في 20 أغسطس 1953 أقدمت السلطات الفرنسية على خلع السلطان الشرعي محمد بن يوسف، مَن سيصبح محمدا الخامس، بناء على تصور رسمه مهندسو الاستعمار، يقوم على استمالة أعيان البوادي وشيوخ الزوايا وبعض الشباب من البورجوازية الحضرية وبروليتاريا المدن، وكلها عناصر من شأنها أن تعانق توجه فرنسا وتنأى عن الطروحات القومية، التي كانت مؤثرة آنذاك. كان هذا التوجه هو ما رسمه واحد من كبار منظري الاستعمار الفرنسي، هو روبير مونتاني ووسمه بـ»ثورة في المغرب» في كتاب يحمل العنوان ذاته. وقد رد الوطنيون بأعمال المقاومة، وفندوا هذا الطرح بما سموه ثورة الملك والشعب، التي تدحض المقاربة الاستعمارية. كانت احتفالات 20 أغسطس تقام بخطاب يلقيه الملك المرحوم محمد الخامس يليه خطاب المقاوم الفقيه البصري عن المقاومة.

أما في الجزائر فقد اندلعت الثورة التي أطلقتها جبهة التحرير في الفاتح من نوفمبر 1954، إلا أن انعقاد مؤتمر الصومام في منطقة القبائل، الذي تمخضت عنه أرضية الصومام، بتاريخ 20 أغسطس 1956 هو اللحظة التي أعطت زخما لحرب التحرير، حينما جمعتها على أرضية موحدة، وألّفت بين قيادات الولايات الست. ولم يكن ذلك التاريخ اعتباطيا، إذ يصادف تاريخ خلع السلطان محمد بن يوسف، ويجسد تلاحم المجاهدين من الجزائر مع أخوتهم من المقاومين المغاربة. وسبق للجماهير المغاربية في تونس والجزائر والمغرب، أن انتفضت في الذكرى الثانية لعزل السلطان بتاريخ 20 أغسطس 1955.

اعتبرت السلطات الفرنسية مؤتمر الصومام محطة تحول، ما جعلها تغير نظرتها لانتفاضة الشعب الجزائري، وكانت تنظر إليها قبل ذلك كأعمال شغب محدودة. ويعتبر كريم بلقاسم قائد الولاية الثالثة (منطقة القبائل) مهندس اللقاء التاريخي، مثلما يعتبر نائبه عميروش منظم اللقاء، والعنصر الأساسي في نجاحه، بالإضافة إلى عبان رمضان مُنظر اللقاء التاريخي. لقد صهرت أرضية الصومام مختلف الفصائل والحساسيات حول هدف التحرير أولا، وقيام دولة عصرية لا تنبني على تمايزات عرقية أو عقدية، وتجسيد الوحدة المغاربية. ولعل من الطريف أن نُذكّر بصور أخرى من هذا التلاحم بين الشعبين، وأولها العلم الذي رسمه مصالي الحاج، أب الحركية الوطنية في الجزائر، وهو العلم الحالي للجزائر، فلم يكن العَلَم منصرفا لقطر، وتضمن مثلما أراد له صاحبه المكونات الثلاثة للبلدان المغاربية، اللون الأخضر الذي يحيل لتونس الخضراء، والأبيض للجزائر البيضاء، والأحمر لمراكش الحمراء، فضلا عن الهلال الذي يحيل إلى الإسلام. ومن المفيد أن نَذكر أن بعض القيادات الجزائرية، كانت تريد أن تجعل من الملك محمد الخامس ملكا على المغرب والجزائر، وأن يُجسَّد ذلك التلاحم من خلال زواج المرحومة الأميرة للاعائشة، صاحبة خطاب تحرير المرأة المغربية في أبريل 1947، بواحد من القياديين الجزائريين. وهو الأمر الذي لم يكن لفرنسا أن تقبل به.

وقد يبدو من المثير أن من رسم العلم المغربي جزائري، هو قدور بن غربيط، وهو من قعّد البروتكول المخزني، وأن من أوحى بعيد العرش، جزائري كان مقيما بسلا هو السيد ميسة، ومَن كان مديرا للكتابة الشخصية لمحمد الخامس الفقيه المعمري، من منطقة القبائل، وهو من سيصبح أول وزير للقصور الملكية والتشريفات، وأن من سيرسي نواة أكبر حزب إسلامي الدكتور الخطيب من أصول جزائرية، وحصل على الجنسية المغربية، بمقتضى ظهير غداة الاستقلال، وأن مؤرخ المملكة المرحوم عبد الوهاب بن منصور يتحدر من عين الحوت قرب تلمسان.. ومن جهة أخرى فإن أول رئيس للجزائر المستقلة المرحوم أحمد بن بيلا من أصول مغربية من نواحي مراكش استقرت أسرته بلاّلاّ مغنية، (وهو اسم ولية، توجد أختها بالتراب المغربي، وتدعى لالا خيرة)، والعربي المهيدي من القياديين الأوائل، عن منطقة وهران، واغتالته القوات الفرنسية، ترجع أصوله إلى منطقة سوس في المغرب. وأول وزير للداخلية المدغري، من أصول مغربية، كما أن أول رئيس للجزائر الحرة، المرحوم بن بله كان محاطا بمستشارين من المغرب، منهم محمد الطاهري وعبد السلام الجبلي، وهما ما يزالان على قيد الحياة. أما من عاشوا في المغرب من الجزائريين قبل الاستقلال، والتحقوا ببلدهم وقد تحرر، فحدث ولا حرج، منهم المرحوم هواري بومدين، والرئيس الحالي، عبد العزيز بوتفليقة، والعربي بلخير، وقصدي مرباح، واليزيد الزرهوني، وعبد اللطيف رحال، والشريف بلقاسم، وشكيب خليل.. ومن الشخصيات المغربية التي ارتبطت بعلاقة خاصة بالجزائر، الشهيد المهدي بن بركة، إذ درس في الجزائر في بداية الأربعينيات، وكذا الحاج امحمد باحنيني أستاذ الأدب العربي للمرحوم الحسن الثاني، وواحد من رجالات الدولة في عهده، درس في الجزائر وارتبط بصداقة مع العلامة البشير الإبراهيمي، وكان قناة المرحوم الحسن الثاني مع المرحوم بومدين.

من حق الجيل الحالي، أن يتساءل في كل بلد على حدة، ماذا يمثله هذا التاريخ، اليوم. ماذا تمثل ثورة الملك والشعب، وماذا تعنيه بالنسبة للجيل الحالي من المغاربة. لقد سبق للمؤرخ المغربي عبد الله العروي، في كتابه «مغرب الحسن الثاني»، أن اعتبر أن من مآخذ الحركة الوطنية على الحسن الثاني في بداية ملكه أنه كان ملكا لطائفة، عوض أن يكون ملكا لكل المغاربة. ومن حق الجيل الحالي، أن يرى روح ثورة الملك والشعب مسلسلا لا ذكرى، وألا يُحوَّل مجرى هذه العلاقة لصالح فئات تحركها مصالح أكثر
من طموح جماعي لفائدة البلد والمنطقة. مثلما أن من حق الجيل الحالي في الجزائر أن يطرح السؤال، هل تم الالتزام بأرضية الصومام؟ ولِم كان جزاء أقطابها جزاء سنمّار، مِن المرحومين عبّان رمضان وكريم بلقاسم، أو من المجاهد عميروش، الذي وإن لقي حتفه في ساحة الشرف، إلا أن ذلك لم يشفع له ذلك من التجني والجحود. ومن واجب النخب في البلدين أن تستحضرا الوشائج العميقة التي ربطتهما في مرحلة مصيرية من تاريخهما، وينبغي أن تجمعهما في محطة ليست أقل خطورة من سابقتها.
يحز في النفس كل تلك التضحيات التي قدمها الماهدون في البلدين، والوضع المؤسف الذي يعيشانه، والجفاء القائم بين شعبين هما شعب واحد في حقيقة الأمر. ويحز في النفس ما نشرته أسبوعية «دو إيكونومسيت» الرصينة قبل أسابيع، أن البلدين كان يمكن أن يكونا أقوى اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط كلها، وكيف وصلا إلى الحالة التي يوجدان عليها الآن.
فعسى أن يستحضر الشعبان مرامي 20 أغسطس وروحه وأن يُقدما بهمّة على بناء غد أفضل.