لم يكن في ذهن هيغل، وهو ينظر إلى نهاية التاريخ بعد حرب بروسيا العظمى، ولا في ذهن فرانسيس فوكوياما، وهو ينعي للعالم تاريخه، بعد سقوط جدار برلين وغياب السوفيات، بأن العالم سيحتاج إلى أحمقين، أكثر من حاجته إلى عاقلين مثلهما لإنهاء التاريخ.

للأحمق الأول تاريخ في كل الأحداث اليومية، ويعرض جنونه العصابي على “تويتر”، قبل أن يعلنه عبر القنوات المعروفة للبيت الأبيض، دونالد ترامب. يريد أن يعيد نظرية أمريكية سبقه إليها المستقيل ريتشارد نيكسون.. هي “نظرية الأحمق” أو المجنون.. وهي، كما قدمها المحلل أليكسيس فيرتشاك على صفحات “لوفيغارو” الفرنسية 12( غشت الجاري) تقتضي بأن “يحاول إقناع خصمه بأنه مستعد لأية حماقة من أجل دفعه إلى التنازل”.. وقد اختار توقيتا مناسبا للإقناع، هو ذكرى ضربة القنبلة الذرية ناغازاكي التي استسلمت على إثرها اليابان الإمبراطورية.. قال ترامب إن كوريا الشمالية “ستواجه النار والرعب كما لم يحدث من قبل أبدا”.. إن هي نفذت فعليا تهديدها بالهجوم على مواقع أمريكا في جزيرة غوام.

النظرية التي لم يتقدم نحو تطبيقها الرئيس الأمريكي الراحل، ريتشارد نيكسون، يبدو أنها مقدمة ضرورية لرؤية ترامب الدولية، ويتقدّم نحوها بمساعدة شبكات التواصل الاجتماعي التي تنشرها كدعوة.

يرد في كتاب عن سيرة نيكسون، كما تحدث فيه فيرتشاك أعلاه، أن الرئيس ابتدع في العام 1968، بإيعاز من مستشاره الشهير، هنري كيسنجر، نظرية الأحمق، لأن يضع حدا لحرب فيتنام. وقتها، كان العالم محتارا، ولم يكن يفكر في نهاية التاريخ بطبيعة الحال، وقد عرَّفها نيكسون نفسه لمستشاره، بوب هيلدمان، كالتالي: “أسمِّي هذه النظرية نظرية الأحمق وأريد أن يعتقد الفيتناميون الشماليون أنني وصلت إلى حد يمكنني معه أن أقوم بأي حماقةٍ لكي أنهي هذه الحرب”… وكان يتوقع أن يفكر الفيتناميون بأنه رجل مهووس بعداوة الشيوعيين، وأن يده على الزر لكي يطلق القنابل النووية، وأن “هوشيه منه نفسه، بناء على هذا، سيكون في باريس في غضون يومين يتوسل السلام”.

والحال أن ما يخيف هو أن نيكسون لم يكن مجنونا حقا، في حين أن ترامب ليس في حاجة إلى “إيهام” خصومه بأنه أحمق، بل هو فعلا كذلك. وإذا كان نيكسون قد وجد أمامه رجلا جد متزن، وثوريا حقيقيا، يحسب للتراجيديا خطواتها، فإن أمام ترامب أحمق آخر، كما يقال “يملك الوثائق الثبوتية على حمقه”.. فقد أثبت ذلك من خلال الاغتيالات المتلفزة، وعبر تأكيد الطابع الملكي لجمهورية مشاعية، فيها العائلة خاضعة لنوازع الدم، السلالي والسياسي.. ولا يتردّد، منذ عقود في إطلاق سيل من التهديدات، حيث سبق وهدد بتحويل سيول إلى “بحرٍ من النار”.. وهو القاموس نفسه الذي يستند إليه ترامب.

يرتبط الاثنان أيضا ضمن معادلةٍ أكبر منهما، هي معادلة ما بين نهاية التاريخ وصراع الحضارات، بين فوكوياما وصمويل هتنغتون. فعندما تنبأ المؤرخ والباحث، فرانسيس فوكوياما، بنهاية التاريخ، كان العالم يودّع الحرب الباردة، واعتقد هو أن العالم، هذا، وجد كماله الأيديولوجي في الليبرالية، وشكله النهائي في الديموقراطية الغربية، وإن غيرهما سيكون شبيها ببقايا الديناصورات التي تحكي عن نهاية حقبةٍ جليدية سابقة.

كان يقدّر، في حمأة استرجاع هيغيلية، أن النصر الليبرالي أنهى كل شكل من أشكال بقاء التاريخ. وقد كان يفكر بالعقل الهيغيلي المطلق، ذلك الذي ينظر إلى البشرية نظرةً تؤمن بجدوى العقلانية.. وبأن الحرب فاصلةٌ في الطريق إلى المطلق. وأن حسم الصراع بين الشرق والغرب انتهى ولن يعود. وبذلك يضع التاريخ نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي للبشرية والشكل المكتمل والنهائي لأية حكومة بشرية.

غير أن الشرق والغرب عادا إلى تقابلهما المتوتر عبر الأحمقين، وكل منهما يسعى إلى إقناع الآخر بأنه أكثر حمقا منه للعودة بالتاريخ إلى أصله في صراع الشرق والغرب، وأن الايديولوجيا عندما تنهزم لا تلغي الجنون من العلاقات الدولية، وأن الحمق هو أيضا شكل جيوستراتيجي في تدبير القوة النووية، في زمن اختل فيه التوازن لفائدة العنف.

وارتدت الديموقراطية الليبرالية، مع وصول دونالد ترامب، إلى أسوأ ما فيها، أي الوصول إلى الشعبوية في قيادة العالم، بدون المرور عبر العائلة والحزب الواحد والجيش الأحمر.

 

الخميس 24 غشت 2017.