يَلْحظ الباحث في ميدان دراسات الأمن القومي والدراسات الاستراتيجية، كما الباحث في ميدان الثقافة والعلاقات الثقافية، ظاهرةَ الغياب شبه الكامل للدراسات الدائرة على موضوع الأمن الثقافي في المرحلة التاريخية السابقة لخواتيم عقد الثمانينات من القرن العشرين. وحتى الباحثون في مسائل الثقافة ممّن تاخمت دراساتُهم المسألة، من دون أن تنصرف إليها تخصيصاً أو تَحْفِل بها إشكالياً، إنما شَغَلهم فيها سؤالُ المنافسة الثقافية -في حالة الثقافات التي كانت تتنازع على التوسُّع والفشوّ والسيادة- أو سؤال الحفاظ على الخصوصيات الثقافية أو الموروث في مقابل ثقافات تتحداها باسم الكونية- في حالة الثقافات القومية الأخرى، غير الغربية، التي وجدت نفسها، منذ نهايات القرن الثامن عشر، في حالة دفاعٍ عن النفس-شأن الثقافة العربية.

وليس معنى الغياب ذاك أنّ فكرة الأمن ما كانت تَرِدُ في الأذهان أو تشغل الفكر، عند البحث في المسألة الثقافية، وإنما القصْدُ أنه لم يُعَبَّر عنها في مفهومٍ معلومٍ مثل مفهوم الأمن الثقافي. وقد يكون مردُّ الإحجام عن استخدام المفهوم هذا إلى أنّ الأمن كان في جملة ما يُدْرس في ميدان العلوم العسكرية والاستراتيجية، وأنّه اكتسب -لذلك السبب- معنى مخصوصاً لم يكن يسيراً نقْلُهُ من مجاله التداوليِّ المرجعيّ وتوظيفُه في ميدانٍ دراسيٍّ مختلف، كالميدان الثقافي، على الرغم من أنّ علوماً إنسانية أخرى، مثل العلوم الاقتصادية، استضافته ووطَّنتْه فيها فبات مِن عُدّة اشتغالها المفهومي.

ولا مِرْيَة عندنا، في المعْرِض هذا، أنّ الأمر في الغياب ذاك ليس يُرَدُّ إلى سببٍ معرفي من نوع النقص في تفاعُل ميدان الدراسات الثقافية مع ميادين معرفية أخرى، مثل ميدان الدراسات الأمنية والعسكرية والاستراتيجية والاقتصادية؛ ولا هو يُرَدّ إلى إرادة (معرفية) -موعى بها- في عدم الزجّ بالعلاقات الثقافية في أتون المنازعات الدولية، أو التعبير عنها بمفردات حربية…، وإنما للغياب ذاك «أسباب نزول» تبرِّرُهُ أو-على الأقل-تفسِّره؛ وفي جملتها أنّ المخاطر على الثقافات الوطنية لم تكن قد بلغت حينها (نعني قبل ثلاثين عاماً) الحدود التي تفرض الحاجة إلى التعبير عن التدافُع الثقافي بلغة الأمن ومفرداتها. لقد كانت تكفي مفردات أخرى من نوع: الدفاع، الممانعة، المنافسة، الحماية الثقافية، الاستقلال الثقافي…، أو أخرى-أكثر إيجابية-مثل: التثاقف، الحوار، التفاهم، المشاركة في صناعة القيم الثقافية الكونية…، للتعبير عن واقع العلاقة بين الثقافات: سلباً وإيجاباً. كما أنّ أقصى ما كانت تخشاه الثقافات غير الغربية أو الجنوبية -ومنها ثقافتُنا العربية- أن تفرض عليها علاقاتُ القوة الثقافية (ميزان القوى الثقافي) البقاء في مواقع دفاعية سلبية، أي أن تحرمها من الانخراط في سيرورة المنافسة: بعبارة أخرى، نستعير فيها المفاهيم الأمنية والعسكرية، لم تكن موازين القوى الثقافية قد بلغت من الاختلال الحدَّ الذي يهدّد ثقافاتٍ في العالم كثيرة بالذوبان أو الاضمحلال أو الانمحاء ليؤسِّس، داخل هذه، فكرةَ الأمن الثقافي.

وفي الأثناء، وتبعاً لذلك، سيكُف مفهوم الأمن الثقافي عن أن يستمرّ مسألة خلافية بين القائلين به -ممّن يتَّهمهم خصومُهم بالانكفائية والانسجان في أقفاص «الأصالة» أو الخصوصية وبرفض التثاقف والكونية- و(بين) دعاة تحرير الثقافة من القيود الهوياتية (القومية) وفَتْحِها على التفاعل على قاعدة الأفق الإنساني المشترك -ممّن يتهمهم خصومُهم بضَعف الشعور القومي وبالاستلاب الثقافي- وسيلتقي فريقا النزاع عند منتصف الطريق ليجتمعا، معاً، على الشعور المشتَرَك بالأخطار المحْدِقة التي (باتت) تتهدَّد كيان الثقافة، ومعها منظومة القيم، من عواصف العولمة الهوجاء وما تَحْمِله رياحُها الاقتلاعية من قيم نقيضٍ: سرعان ما أدْركَ دعاةُ الكونيةِ والتثاقف والمشتَرَك الإنساني أنّ مصيرَها إلى تهديد ما اعتقدوا، طويلاً، أنّه كونيٌّ وإنساني.

والأدعى إلى الاستيقاف والاعتبار أنّ مَن بكروا في الانتباه لما يُحْدِق بالأمن الثقافي من أخطار العولمة لم يكونوا من أولئك الذين يُحسَبون، عادةً، في جملةِ المستهولينَ حوادثَ التغيُّر، المنْكِرين لها والمسْتَوِينَ مُدافِعةً إيّاها مُدَافَعةَ الروافض الأُباة -أي أبناء الجنوب و«العالم الثالث» ونحن منهم- وإنما كانوا من أبناء المراكز (الميتروﭙولات الغربية) ومن أعيانها ساسةً ومثقفين، وخاصةً مَن حَكَمَتِ الجغرافيا بأن يكونوا في شرق الغرب لا في غربه؛ أي من الأوروبيين. وكان المسكونون منهم بالنزعة القومية والاستقلالية، على التخصيص، الأظْهرَ في هؤلاء الرافعين عقيرتَهم ضدَّ العولمة الثقافية؛ وكان الفرنسيون، على التحقيق، أشهرَ مشاهيرهم. من منّا يَنسى أن فرانسوا ميتران، الرئيس الفرنسي الاشتراكي الراحل، خاض معركةً عسيرةً -في أوائل تسعينات القرن الماضي- كي يحرِّر الثقافة (الفرنسية) من عبء أحكام التجارة الحرَّة الذاهبة، حكماً، بأمنها وسيادتها تحت عنوان «الاستثناء الثقافي» ؛ وهو تعبيرٌ استلهم سياسات أندريه مالرو -حينما كان وزيراً للثقافة في أواخر الخمسينات- وتبنَّته وزارة الشؤون الخارجية، في العام 1990، درعاً في وجه العولمة الثقافية (الأمريكية). وما كان ميتران سلفياً منغلقاً -ولا حكومتُه كانت كذلك، ولا الاشتراكيون ولا الفرنسيون عموماً- حين تمسَّك بسياسة «الاستثناء الثقافي»؛ فلقد كانت أخطار الهضم الثقافي حقيقيةً وداهمةً وليست خيالات وتوجُّسات مَرَضية؛ مثلما كان الوعيُ حاداً بأنّ إصابة الثقافة القومية وأمنِها في مقتل هو إيذانٌ بمحْو الكيانية الفرنسية التي لم يعد بين يديْها -بعد الاستسلام الاقتصادي والتِّقاني (التكنولوجي) والديبلوماسي أمام السيّد الأمريكي- غير الثقافة: آخر متراسٍ وجبهةٍ دفاعية.

هل بعد السابقة الفرنسية من مبرِّرٍ للتحفّظ على حُجّية الأمن الثقافي بذريعةِ أنه يغذّي المقالات الانكفائية: «الأصالية» والسلفية؟!

 

الاثنين 28 غشت 2017.