في سائر البلدان الديمقراطية العريقة، توجه الحكومات بشتى ألوانها السياسية عناية خاصة بالشباب، إيمانا منها بما لهذه الفئة من أدوار طلائعية في تنمية المجتمعات، باعتبارها مفتاح الأمل في المستقبل، وسر نهضة الأمم والركيزة الأساس في بناء مجدها وحضارتها. ومن بين مميزات المغرب، أنه إلى جانب ما حباه الله به من ثروات طبيعية، يحظى بطاقة بشرية واعدة وقادرة على تحقيق تحولات إيجابية. إذ يشكل الشباب حوالي نصف سكانه، وهو ما قد يساعد على الاستثمار الجيد لخيراته بشكل شامل وجيد، إذا ما جعل المسؤولون قضايا الشباب في صلب اهتماتهم، ووفروا لهم ما يستحقونه من حسن الرعاية والتكوين العلمي والخلقي وفرص العمل…

     فهل يا ترى استطاع أصحاب القرار تقدير قيمة ما تملكه البلاد من ثروة بشرية ثمينة وهائلة؟ وبلا كبير عناء في الرد، يكفي تسليط بعض الضوء على واقع شبابنا، لنقف على جزء من حجم المعاناة التي يتخبطون فيها، والكشف عما يعيشون تحت ظلاله من ظلم وقهر وتهميش وإقصاء وحرمان. لا يجدون من اهتمام بهم عدا في الخطب الملكية والوثيقة الدستورية، فيما باقي المجالس استشارية ومجرد ديكورات لتزيين ديمقراطية الواجهة. ذلك أن شبابنا يعيش عزلة وفراغا قاتلين، ويعاني التهميش من قبل الفاعلين السياسيين، والحكومات المتعاقبة، والمؤسسات الدستورية، والفاعلين الاقتصاديين، والوسائط الاجتماعية المدنية والنقابية… لا من يكترث لهمومه ويقدر تطلعاته، ويعمل على تأطيره وإشراكه في الحياة السياسية، باعتباره القلب النابض الذي بدونه تتعطل الحياة، مما يجعله يراكم الانكسارات خاصة في التعليم والشغل، أمام تفشي الرشوة والمحسوبية وفشل السياسات العمومية في حمايته من مختلف ألوان التطرف والانحراف…

     والشباب المغربي سواء في العالم الحضري أو العالم القروي، يمر وإن بدرجات متفاوتة بأوقات عصيبة من حياته، حيث يزج به مكرها في جحيم الفراغ والتذمر وخيبات الأمل المتواترة، فاقدا للثقة في العمل السياسي والانتخابات والمنتخبين والمسؤولين الذين يبيعونه الوهم دون التجاوب والتفاعل مع مطالبه المشروعة، ولا الحد من نسبة الفقر المتزايد وتقليص دائرة الفوارق الاجتماعية والمجالية… وعجز الدولة عن إصلاح القطاعات الاجتماعية المرتبطة بالطبقات الشعبية الفقيرة والمتوسطة، في توفير تعليم عمومي لائق وبرامج مناسبة لمحاربة الهدر المدرسي وإيقاف نزيف الأمية لدى الشباب، التي تصل 11 بالمائة مقابل 32 بالمائة بالنسبة لمجموع السكان، و10,1 بالمائة بدون أي مستوى تعليمي عام 2014، ناهيكم عن غياب البنيات التحتية وانعدام القدرة على ولوج الخدمات الصحية، وقلة دور الشباب والملاعب السوسيو رياضية وأماكن الترفيه… ولعل في تفاحش الجرائم و”التشرميل” بمدننا وما شهدته مدينة سيدي قاسم من اغتصاب جماعي لحمارة مسعورة، وفيديو العار عن اغتصاب فتاة داخل حافلة للنقل العمومي في واضحة النهار بالدار البيضاء، إدانة صريحة للمسؤولين ببلادنا والسياسات العمومية الفاشلة.

     والشباب واقع معقد ومتنوع وليس وحدة متجانسة، يتطلب رعاية خاصة، لأنه سريع التأثر بمحيطه الاجتماعي والتحولات المجتمعية. فاليأس يجعل من الشاب”ة” كائنا مشوشا ومحبطا، لذلك ينقسم الشباب الذي يعاني من وحشة الفراغ وضيق ذات اليد أمام شبح البطالة إلى مجموعات، إذ هناك من يجد راحته في ممارسة الشعائر الدينية، وهناك من يلقى متعته في الشبكة العنكبوتية، التي لم تعد تشكل خطرا عليه فقط من حيث الأفلام الإباحية المثيرة للشهوات والغرائز، بل صارت أيضا مرتعا خصبا للإرهابيين في إغراء المتذمرين، لانعدام الزاد المعرفي والتربوي الذي يحميهم من المواقع الفاسدة والمشبوهة، ثم هناك المستنقع الآسن للمخدرات. فكل يبحث لذاته عن ملاذ للهروب من واقعه المر، معتبرا إياه الوسيلة الأنجع في النسيان والتخفيف من أوجاعه النفسية العميقة.

     وقد لا نجانب الصواب إذا قلنا بأن التدين أو الإبحار في العالم الافتراضي دون نضج فكري، يقودان لا محالة إلى المجهول، وأن تعاطي المخدرات يساهم في تدمير الذات ونسف الاقتصاد الوطني. ذلك أن المخدرات آفة اجتماعية تنخر هيكل المجتمع، وتفتك بعقول وصحة فئة الشباب بوجه خاص، ممن يرون فيها بلسما ناجعا لآلامهم وأحزانهم، بعد أن استبد بهم اليأس والفراغ والإحباط والبطالة وعدم القدرة على الصمود في وجه المؤثرات الخارجية، وإهمال الأسرة لدورها التربوي والرقابي ومعاشرة الأشرار، وتزايد مروجي المخدرات ووفرتها في الأحياء الشعبية وأمام المؤسسات التعليمية. ووجود شبكات دولية متخصصة في تهريبها…

     فالمغرب يأتي في مقدمة الدول المصدرة والمستهلكة للمخدرات، إذ تكشف تقارير أمنية ودولية، أنه بات محطة عبور لأباطرتها، الذين تذر عليهم تجارتها أموالا طائلة تفوق ميزانيات بعض الدول النامية، ومن بين أنواع المخدرات الرائجة بكثرة في أوساط الشباب، نجد “القرقوبي” بشتى صنوفه من المهلوسات. ويقول المختصون في الأمراض العقلية وعلاج الإدمان، أن الأكثر تعاطيا لهذه العادة المرضية الخطيرة، هم من ذوي الشخصيات الهشة والسلوك السيكوباتي، الذين يصابون في آخر المطاف بالشذوذ الجنسي والانفصام والاكتئاب، ومن بين أبرز عواقبها الوبيلة السطو المسلح وارتكاب أبشع الجرائم حتى في حق الأصول مقابل الحصول على المال لإشباع نزواتهم.

      بناء على ما سلف وغيره كثير ومؤثر، وفضلا عن ضرورة تجفيف منابع ترويج المخدرات، لم يعد مسموحا بالاستمرار في التضليل والمغالطات، فشبابنا ليس بحاجة إلى المنتديات والمهرجانات الموسمية، بقدرما هو في أمس الحاجة إلى سياسة عمومية وطنية مندمجة، تعنى بقضاياه الكبرى وتجعل منه شريكا وفاعلا أساسيا للنهوض بأوضاعه الاجتماعية والاقتصادية المتردية، وإلى تعليم جيد يصقل مواهبه وينمي فيه ملكة الخلق والإبداع ويشجعه على التفكير النقدي الجاد، منحه حق التعبير عن آرائه وحرية المبادرة وتكافؤ الفرص في الشغل…

الاثنين   28 غشت  2017..