بعد سنوات ست على اندلاع موجة «الربيع العربي»، لا تزال الإجابة عن سؤال فشل هذه الديناميكية التي بدت أفقاً جديداً في العالم العربي مطلوبة. وفي هذا السياق يندرج كتاب الباحث والإعلامي البريطاني «أدوارد ليوس» الذي صدر مؤخراً بعنوان «انسحاب الليبرالية الغربية»، وفيه يعالج أزمة الليبرالية الديمقراطية عالمياً، معتبراً أن فشل التجربة الانتقالية في العالم العربي لا يمكن فهمه إلا ضمن هذا المنظور الكوني الشامل، باعتبار أن ما حدث في الساحة العربية هو الانفصام بين الحاجة الموضوعية إلى الليبرالية وصعود قوى الإسلام السياسي التي استفادت من حركيّة التحول على رغم أنها تعارض فكرياً وإيديولوجياً قيم وأفكار الليبرالية.

وما يبينه «ليوس» هو أن هذه الظاهرة تعكس أحد جوانب أزمة المنظومة الليبرالية التي يرى أنها في طور «الاحتضار» في مهدها الغربي، كما هو بارز من تراجع عدد كبير من الدول بما فيها ثلاثة بلدان أوروبية (روسيا وتركيا وهنغاريا) عن النموذج الليبرالي الديمقراطي، وصعود التنظيمات الشعبوية والتيارات اليمينية المتشددة في جل الديمقراطيات الغربية.

والتفسير الذي يقدمه «ليوس» لهذا الانهيار هو أن الليبرالية الغربية لم تستطع بعد الأزمة المالية الأخيرة (2008) أن نستعيد ديناميكيتها الحيوية التي قامت تاريخياً على ركيزتين: النمو الاقتصادي الذي يزيد الثروة ويسمح بدمج فئات اجتماعية واسعة، والطبقة الوسطى التي هي محور استقرار المنظومة الليبرالية. ومع الثورة التقنية الاقتصادية الجديدة المعولمة، انهارت الطبقة الوسطى وانهار معها نظام العمل التقليدي، وانفصمت حركة المال عن الأرضيّة الاقتصادية الحقيقية، فتفككت البنية الموضوعية لليبرالية الديمقراطية.

على رغم ما في مقاربة «ليوس» من وجاهة ودقة، إلا أن الثغرة الكبرى في تحليله هي النظر إلى المنظومة الليبرالية بصفتها نسقاً متجانساً وأحادياً بركيزتين هما اقتصاد السوق والتعددية الديمقراطية، في حين أنها على الأصح تقليد متعدد الاتجاهات والمستويات والرهانات.

ودون التبسط في هذا الموضوع الذي يحتاج لحيز واسع، نكتفي بالقول إن ما يكثر الحديث عنه راهناً من أزمة النموذج الليبرالي يمكن استجلاؤه في إشكاليات محورية ثلاث جديدة:

الإشكالية الأولى تتعلق بالسؤال المحوري حول طبيعة الرباط الاجتماعي في النظام الليبرالي القائم على أولوية الفرد وحريته. وبغض النظر عن الجدل التقليدي بين المدارس الليبرالية التي تتوزع إلى تقليدين كبيرين هما الليبرالية الفردية والليبرالية عبر الدولة، فإن مفهوم الفرد ومفهوم الدولة نفسهما قد شهدا تحولات نظرية مهمة في الفكر الليبرالي الجديد بالانتقال من «الفردية الذرية» المعزولة إلى الفردية الديناميكية الفاعلة، ومن الحرية السلبية المتركزة على حماية الفرد إلى الحرية الإيجابية القائمة على إمكانات فعلية عملية (المؤهلات حسب مقولة الفيلسوف والاقتصادي الهندي إماراتيا سن). ومن هذا المنظور، أصبح السؤال المطروح اليوم على الفكر الليبرالي هو إعادة التفكير في مفهوم «المجموع المشترك» المشكل للرابطة الوطنية في مرحلة لم تعد الدولة السيادية التقليدية قادرة فيها على التعبير عن عموم الجسم الاجتماعي.

والإشكالية الثانية تتعلق بالوسائط العمومية للفعل السياسي التي تلخص عادة في مفهوم الديمقراطية التعددية التي قامت تاريخياً على آليتي التنظيم الحزبي والانتخابات التعددية. ومن نافل القول إن الآليتين تعانيان راهناً من أزمات حقيقية يكثر الحديث عنها في الفكر السياسي الغربي. والسؤال المطروح بقوة اليوم هو: هل لا تزال التسوية التاريخية بين المثال الليبرالي (الحرية الفردية المطلقة) والمثال الديمقراطي (المشاركة العمومية والمساواة المطلقة) صالحة عن طريق الأدوات الإجرائية التي بلورها الفكر السياسي الأوروبي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؟

والإشكالية الثالثة تتعلق بعلاقة الأمن بالحرية السياسية، انطلاقاً من كون الدولة الليبرالية الحديثة قامت شرعيتها على الأمن بمفهوميه، الأمن القانوني الضامن للمساواة الاجتماعية والأمن الاجتماعي الضامن للحد الأدنى من الرفاهية الاقتصادية ورغد العيش. والسؤال المطروح اليوم مع موجة الإرهاب الجديدة، وما ترتب عليها من سياسات أمنية، هو ماذا يكون العمل عندما تتعارض مقتضيات الحرية ومقتضيات الأمن في مواجهة خطر لا هو بالعدو الخارجي الذي يواجه بمنطق الحرب ولا هو بالعدو الداخلي الذي يواجه بمنطق محاربة الجريمة؟ أي بعبارات أخرى: كيف يمكن للديمقراطية الليبرالية التعامل مع نوع ثالث من الحرب لا هو بالحرب الأهلية التي حصنت شعوبها ضدها، ولا بالحروب الخارجية بين دول سيادية يضبط القانون الدولي علاقاتها البينية ضمن منظور السلم الأبدي؟

 

الاثنين 04 شتنبر 2017.