يرى كثير من المفكرين ان سبب تأخر المسلمين وتخلفهم  يرجع الى الدين,ووصفوه بالجمود . وهؤلاء ساروا على نهج الاختيارات العقائدية و السياسية المتعلقة بغيرهم بدون علم و هم لا يشعرون و يستمدون هذا الاعتقاد  من الأفكار الشيوعية  التي انتشرت  مع نشأة ماركس و هيكل ولينين و  غيرهم و التي مفادها  ان الدين افيون الشعوب .  و في المقابل جاءت اراء  اغلب العلماء و المفكرين و الفقهاء  المسلمين  الى ان ما وصلت اليه الامة  الإسلامية  من التقهقر  و المهانة و اصبحت الامة الاسلامية تعاني من موجات كاسحة من التشكيك في قدرة العقيدة على مواجهة صعوبات الحياة فتعطل الشرع داخل القلوب تم على ارض الواقع حتى صارت النتيجة الى ما نراه .

ضياع و انتكاسة و ضلال و انحراف و فساد لمعظم اهل الزمان و تركت سحب الاهمال على دين الله و هنا لن يكون الحل الا بعقيدة صحيحة يحملها علماء ليقضوا على ان السبب  فيها يرجع الى خروج المسلمين  عما  جاء به الدين الإسلامي  الحنيف من  الاحكام و الأوامر  التي أشار اليها  القران و السنة  واتبعوا  ما يدعوا اليه غيرهم  من خصوم  الإسلام و الحال ان مصادر العقيدة هو القران و السنة اما القران الكريم هو كلام الله  حفظه من  التحريف  و التأويل لقوله تعالى ” انا انزلنا  الذكر  و ان له لحافظون” فهو الكتاب الذي لم يتعرض للتحريف  خلافا للكتب السماوية المنزلة على انبيائه  و رسله السابقين كالزبر و الانجيل والتوراة . وهؤلاء الخصوم  لم و لن  يستطيعوا تحريفه  او القضاء عليه اطلاقا مصداقا لقوله تعالى .

” يريدون  ليطفئوا  نور  الله  بأفواههم و الله متم  نوره ولو كره  الكافرون” هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين  الحق  ليظهره على  الدين  كلهو لو كره  المشركون” الحشر و قال أيضا  في  سورة  التوبة”يريدون ليطفئوا  نورالله بأفواههم  ويأبى الله  إلا ان يتم  نوره و لو كره الكافرون , هو الذي ارسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون .  اما من يقول  بان الدين افيون الشعوب  فيقصدون به الكنيسة  التي كان  الرهبان  و الاحبار  يشرفون  عليها  و يأكلون  أموال  الناس  بالباطل  كما يتحالفون مع الأنظمة  الاستبدادية  في الغرب . الا ان الغرب   لم يتقدم  الا بعد التخلص  من حكم الاستبداد و الكنيسة  بدءا من الثورة الفرنسية  سنه 1789  التي  كانت تحمل  شعار الاخوة  و الحرية و المساواة  و كان وراء هذه الثورة  مفكرون و فلاسفة  في عصر  النهضة  أمثال  هوبس و مونتيسكيو  و فولتير  و روسو  و اعتقد  ان هؤلاء  المفكرين  لا يعنون  بنظرياتهم  الدين الإسلامي حيث لا رهبانية فيه. و انما  كان قصدهم استبداد  الكنيسة على ما اعتقد .

اما العلماء المسلمون  المتنورون  فيرون  عكس ما المفكرون يرون ذلك  حيث ان هؤولاء يدعون  الى الفهم الصحيح الإسلام و تخليصه  من البدع  و الخرافات  و احياء تراثه  الحضاري  و تطويره  لمسايرة  تطورات  العصر دون  الخروج  عن ينابيع  اصوله الثابتة  ومن هؤلاء  محمد  اقبال –جمال  الدين الأفغاني ومحمد عبده و رشيد رضا و غيرهم كما هو الشأن بالنسبة للمرحوم شيخ الاسلام محمد بن العربي و غيرهم , ويرى هؤلاء  ان الإسلام  ليس جامدا  و لا سببا في تخلف المسلمين بل  يقول بعضهم  انه لا يصلح  اخر هذه الامة الا بما صلح به أولها و المراد عندهم هو ما أشار  اليها الرسول  صلى الله عليه و سلم   بقوله ”  خير القرون  هو ما عليه أنا وأصحابي و الذين يلونهم و الذين يلونهم ” اما  مما لا شك فيه  ان  الأوضاع  في الامة العربية الإسلامية  لا تبعت على  الارتياح  في الوقت الراهن  و بدون الدخول  في التفاصيل  المتعلقة  بمظاهر  هذه الأوضاع  المقلقة  حيث اشرت اليها  في عدة   حلقات سابقة  لا داعي  لتكرارها , و ان ما يجري  في شانها  واضح و ظاهر  للعيان لا يحتاج  الى ابراز  مظاهرها .

و لهذا فالملفت  للانتباه  ان الامة الإسلامية ضاعت  على مفترق  الطرق  فهي  تعيش  حياة التيه  التي  لم يشهد  التاريخ  الإسلامي  لها مثيلا  رغم ما مرت  به  من أزمات كثيرة  و حلت بها  نكبات  متلاحقة  في لحظات  من  الضعف  و البعد  عن حمى  الله الوثيق .  فكان المسلمون  يفقدون  جزءا من ديارهم  او قسما  من أموالهم  او يعيشون  حالات قلق  ولحظات  فزع وساعات خوف  وترقب  لكن لا يشك  مستبصر في التغيير  ان  الدائرة  على اعدائهم  حيث ان رائدهم  مازال  قائما  و يتعلق  الامر بما جاء عن الخليفة عمر بن الخطاب ” نحن  قوم اعزنا  الله بالإسلام  فإذا اردنا العزة من سواه اذلنا الله ”    فيدرك المسلمون المتبصرون العلل  و ينتبهون الى الخلل  الذي يوجدون  فيهم و  ليس  في الدين  الحنيف. وآنذاك  يستأنفوا  العمل سريعا  في مرحلة  العودة  الى مبادئ  دينهم  فيرفع  الدل  عنهم و تقوى  شوكتهم  و تهب ريحهم   اما  و قد  نشا  الإسلام  و لم يعرف  الجاهلية  فقد نقضت  عرى الإسلام  عروة و كلما  نقضت  عروة  تمسك الناس  بالتي تليها و ان الظلمة  التي تلف  واقع  الدول الإسلامية  اليوم ادهى  وامر و لكوني لست من المتشائمين  فاني على يقين  ان الوضع سيتغير بادن الله و لدلك ينبغي علينا كمسلمين مؤمنين ان ننظر الى هدا الواقع بنظرة الإسلام و تحديد الأسباب التي أدت اليها .ثم استشراف المنهج الحق . مع استحضار التحولات و التطورات التي يعرفها العالم باسره لا سيما ان الشريعة الإسلامية كانت عبر التاريخ تساير كل ما يطرا من جديد في عصر من العصور و لم يرد بشأنه نص قطعي في القران او السنة . و انداك يتم اللجوء الى الاجتهاد و القياس و الاستصحاب و الاستصلاح و الاستحسان  قصد إيجاد حل لمشاكل الناس و دلك بجلب المصلحة و درء المفسدة دون الخروج عن مقاصد الشريعة . و كما سبق دكره فان الشريعة الإسلامية جديرة بالخلود و البقاء و الصلاح لكل زمان و مكان حيث جاءت مستحبة مع الفطرة باعتبارها شريعة فطرية مرتكزة في سلطانها على العقل و طريقها العلم و دليلها الواقع و عدوها كل من خالف مبادئها و مقاصدها.

و تتميز كذلك باليسر و رفع الحرج في تكاليفها و احكامها و الدعوة الى تجنب الغلو و التطرف الدي تعاني منه البشرية في العصر الراهن إضافة الى جمعها بين العزائم و الرخص.

و لأهمية المرتكزات المشار اليها سواء تعلق الامر بالواقعية او العلم او العقل جاءت مظاهر واقعيتها بالأساس لتتجلى فيما يلي :

– الاعتماد على التشريع القرآني على كتاب تكفل الله بحفظه .

– انها شريعة تعتمد على التطبيق و من اجل دلك كانت نظمها و احكامها في حدود الاستطاعة .

– ان العصور التي طبقت فيها و ترجمت فيها الى سلوك عملي و تعايشت مع الجماهير المسلمة و غيرها و كان تطبيقها على اكمل وجه و اتمه لاسيما في عصر الرسول صلى الله عليه و سلم و خلفائه الراشدين .

– قد تجلت واقعيتها كدلك في شمول تشريعاتها بجميع مجالات الحياة الإنسانية فنظمها تناولت الانسان و هو جنين الى شيخوخته ووضعت له نظاما مراعية العمل الدي يقوم به من تجارة و زراعة و صناعة و احكام شرعية . و من هدا المنطلق فانها تجمع بين احتياجات الإنسانية المادية و الروحية و الوجدانية و السلوكية و لم تترك أي مجال الا و نظمته بروح الاعتدال و الوسطية و تنهي عن كل سلوك يتعلق بالاعتداء على حرية الانسان و كرامته . و خلاصة القول ان الشريعة الإسلامية لا تدع شيئا من حياة الانسان إلا و وضعت له النظام الوحيد الدي لا نظام سواه من نظم مستحدثة من صنع البشر . و المراد من التطور الدي تتسم به الشريعة و الدين هو التغيير التدريجي  الدي يحدث في الكائنات الحية و سلوكها و يطلق عليه أيضا التغيير الدي يحدث في تركيب المجتمع او العلاقات او النظم او القيم السائدة فيه.

و مما يجب فهمه هو ان الإسلام لم يغلق باب الاجتهاد لمن هو اهل له . حيث يجوز في القضايا التي لم ترد في شانها نص ثابت و يتعلق الامر بالأصول  و الثوابت اما الفروع و الجزئيات فقد اتفق السلف و الخلف و جمهور المسلمين على جوازه الاحكام التي لا تتنافى مع الأصول بطبيعة الحال بعلة ان هده الأصول تعتبر من التواثب التي لا تتغير لكن الأساليب و الوسائل فهي قابلة للتطور  مع الزمن و تهدف الى تحقيق الهدف المتوخى منه . و قد تختلف من عصر الى عصر و يشتى الوسائل كالزراعة و استخراج كنوز الأرض و جواهر البحار بواسطة تفجير الدرة و ارسال الأقمار الصناعية و تطور التكنولوجيا . اما بالنسبة للثوابت التي لا تتغير الا في الوسائل و الأساليب فهي ثابتة كالحج و الزكاة و غيرها من اركان الإسلام و الايمان . و مع دلك فان هده الثوابت تحمل في طياتها المرونة في التطبيق و جاء في هذا الاطار قول القرضاوي ملخصا جمع الشريعة  الإسلامية بين الثبات والتطور “ان الثبات على الأهداف و الغايات و المرونة في الفروع و الجزئيات .الثبات على القيم الدينية و الأخلاقية و المرونة في الشؤون الدنيوية و العلمية . ثم ان التطور في التشريع فلا يحول دون تحقيق مصالح الناس المشروعة التي تجدد وتتطور في كل عصر . و لا يمنع الناس من الاستفادة من ثمار الحضارة التي يعيشون في ظلها و لا يقف في وجه الدولة و هي تضع القوانين و النظم التي يحتاج اليها الشعب لأمنه و رفاهيته.

و هكذا فقد مارس الرسول “ص” عملية الاجتهاد و مارسها أصحابه في حضرته و في غيبته و جعل من الاجتهاد العقل أساس للحكم و قاعدة للقضاء اذا لم يجد نص في القران او الحديث.

 و يبدو مما لا شك فيه ان الشريعة الإسلامية قائمة على دعامة الاجتهاد في شان وقائع ليس فيها نص  مند عهد الرسول “ص” اول مجتهد انار السبيل لأصحابه الذين تربوا في مدرسته و  مارسوا عملية الاجتهاد د و كذلك التابعون  و العلماء . و الاجتهاد هو الدي يكفل تجديد الشريعة على مدى الأيام و الدهر و مسايرتها لتطورات الأمم و الشعوب و يضمن قدرتها على وضع الاحكام لما لم يجد حكم حول الاحداث و الوقائع و ضروب المعاملات . اما بالنسبة للقياس فقد كانت له مكانة في صدر الإسلام و هو اصل يعتمد عليه في الحوادث و الفضائل و يحكم في الوقائع من غير ان يقف عند حد او يصل الى النهاية.

ويقع اعماله في كثير من الوقائع التي لم تندرج في النصوص الثابتة . يقوم  الصحابة و السلف و العلماء للاستدلال به و يقيسون الأشياء بالأشياء منها و يناظرون الامثال بالأمثال بإجماع منهم. و لهدا فان كثيرا من الواقعات بعد الرسول “ص”لم تندرج في النصوص الثابتة قاسوها بما يثبت و الحقوها بما نص عليه بشروط في دلك الالحاق و تصبح تلك المساواة بين الشبيهين او المثلين حتى يغلب  على الظن ان حكم الله فيهما واحد فبالقياس اصبحت الشريعة منفتحة على الحياة الانسانية تفتحا مكنها من ان تكون قائمة مدى الأمان لا يعوزها ما تستطيع به ان تكون قوامه على الحياة بأسرها .

اما الاستصحاب لا يلتجأ اليه إلا ادا لم يجد القياس ضالته المنشودة و الذي يأخذ بالمصلحة او العرف. و الاستصحاب يفتح المجال امام الفقهاء لإصدار فثاويهم في الوقائع التي يجدون فيها دليلا في النص و من مصادر الاجتهاد ما يطلق عليه في الفقه الاستصلاح و هو بدوره اخصب الطرق التشريعية فيما لا نص فيه و فيه المتسع لمسايرة  التشريع المتعلقة بتطورات الناس لتحقيق مصالحهم و حاجاتهم و قد جاءت نصوص قرآنية تبين ان الغاية من الشريعة الإسلامية جلب المصالح لقوله تعالي و ما ارسلناك الا رحمة للعالمين” و في اعتقادي ان الخروج من الفهم السيء للدين انه يتعين عدم فصل الدين عن أدوات التحليل العرفية و التاريخية و لا يأتى دلك الا بالتخلي عن النظر الى الدين ليس فقط كمجال اعتقادي طقوسي وليس مجالا للصراع السياسي بل الامر يستلزم النظر اليه من الجانب المعرفي يشمل قضايا معرفية و بالتالي تأويلية تسعى باستمرار الى إعادة قراءة النصوص الدينية وفق مستجدات و متغيرات الحاضر . و هدا يعني ان الاجتهاد في البناء الثقافي الإنساني المعرفي و التاريخي و ما يستلزم دلك أيضا من انفتاح على الثقافات و المستجدات الواقعية و التاريخية .

و هكذا فان المشكل الذي يواجه المسلمين في مسار بناء الديموقراطية يتمثل في العلاقة غير الواضحة بين النص و الحداثة و كدلك مساهمة الإسلام الرسمي بشكل كبير في تطوير الية الاجتهاد .و فتح المجال للعلماء و المفكرين المؤهلين للاجتهاد. و خلاصة القول ان العلامة الطاهر بن عاشور أوضح في مقاصده 518″ ادا نحن استقرينا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع استبان لنا من كليات دلائلها و جزئياتها المستقرأة ان المقصد العام من التشريع فيما هو “حفظ نظام الامة” .

و استدامة صلاحه بصلاحه المهيمن من موجودات العالم الدي يعيش .

كما ان الماوردي فقال” ان به ما تصلح الدنيا حتى تصير احوالها منتظمة و ملتئمة في ستة أشياء في قواعدها و ان افرعت و هي دين متبع و سلطان قاهر و عدل شامل و امن عام و دائم و امل فسيح” .و في نظري فان المحنة التي تجتازها الامة العربية الإسلامية يجب ان تكون عبرة لولاة الأمور كل من موقعه و لشعوبها و العمل على تجاوزها بدءا من الاعتصام بالله و الانقياد لأوامره و الابتعاد عن نواهيه و القضاء على الجهل و الفساد او الظلم خاصة ان الامة العربية تزخر بالطاقات الفكرية و العلمية و في مجال التكنولوجيا  و تضاهي الكفاءات العلمية لدى الغرب و من واجب حكامنا توفير الطاقات المذكورة  المناخ الذي  يفسح لهم  المجال  لتوظيفها  في  خدمة  بلدانهم  و استغلالها  في رقي  البلدان  العربية الإسلامية  لان الملاحظ  ان اغلب  الطاقات  التي يتوفر عليها  الغرب اغلبها  عرب مسلمين  و ما كان لجوؤها  للغرب  إلا عدم  توفر مناخ في بلدانهم . الامر حسب اللباني في فثاويه يستوجبك

الوحدة و الاتفاق بين المسلمين لان وحدة الامة الاسلامية مبدأ حث ورغب فيه الشرع الحنيف و لا يمكن لهذه الامة ان تجتمع إلا تحت منهج قويم يمنعها من التفرق و التشتت و التشرذم . و هذا المنهج يكون نابعا من الكتاب و السنة على منهج سلف الامة و في نفس السياق جاء عن شيخ الاسلام محمد بن العربي العلوي قوله ” ان الاسلام ليس دين التجميد و الرجعية و القمع بل هو دين التقدم التقني و التحرير و الكفاح المستميت ضد جميع الاشكال البالية للحياة الجارية يصلح لكل زمان و مكان .

 

الاحد 10 شتنبر 2017.