“أيديولوجية تبجيل الزلط وتامّارا”؟

الواقع الموصوف الآتي هو السبب، إضافة إلى اعتبارات أخرى:
يتعلق الأمر بحســـــــــاسيـــــــــة كثير من المثقفين إزاء كلّ ما يراد به إضفاء مُسحة جـــــــمــــال وأنـــــــاقـــــة مهما كان ذوق صاحبهما.
لقد أثارت في هذا الصدد المذكراتُ التي صدرت عن وزارة التعليم حول الهندام والصف والمجال البصري للمدرسة وابلا من خطابات السخرية والاستهزاء من لدن هذه الفئة باسم اعتبارات مختلفة يتعذر هنا استعراضها جميعا.

– فهناك مثلا من أجهد نفسه فلسفيا من أجل بيان الأسس السياسية والسوسيو-اقتصادية التي يتوقف عليها غرس قيم التشبث بالوطن ومقوماته، بدل الإلزام بتحية العلم وترديد النشيد الوطني؛

– وهناك من تمثل بالمثل المغربي “اش خاصّــك آ-العريان؟ الخاتم آ-مولاي” تعليقا على المذكرات المتعلقة بالورزة والهندام، والمجال البصري للمؤسسة.

لا يحتاج الإنسان إلى تحاليل مفكر من المفكرين لكي يعرف الشروط التي تجعل المواطن سعيدا معتزا من حيث هو مواطن في وطنه؛ ولكن الكثير من الناس تغيب عن فهمه الوظيـــــــــــــفة الأســــــــاسيــــــــــــــــة لبعض الطقوس التنظيمية الشكلية مثل تحية العلم مع ترديد النشيد الوطني، وما شابه ذلك مثل إلزامية الدخول إلى الفصل مثــــــــنى-مثـــــــنى، والوقوف عند دخول الاستاذ وقبل الخروج، وغير ذلك من الطــــــــــقــــــوس الشــــــكــــــليــــــــــة التي سادت حينا من الدهر ثم بادت، فباد معها جــــوهـــــــــــــر كثير الأمور. إنها وظـيـة الانــــــــــــضـــــــبـــــــاط، التي لا يصلح، ولا يفلح في أداء مهمته، لا جيشٌ، ولا جوقٌ موسيقي، ولا فريق كوريغرافي، ولا فريقٌ رياضي، ولا طاقم سفينة، … ولا فــــــصــل دراســــي، من دون توفرها؛ خصوصا في مجتمع ما تزال فيه الأخلاق أخلاقا خارجية وليست أخلاق تشبُّع داخلي.

في هذا الاتجاه، يقول ذلك الذي قيل عنه إنه كان ثائرا متمرّدا على كل شيء، فريديريك نيتشه، في كتابه “ما-وراء الخير والشر”، إن أروع ما حققه الإنسان في حقول الفنون من موسيقى ورقص، وفي السياسة والعمران إنما يتّم بفصل الانضباط لقيود شكلية صارمة.

أما وجه السخرية – باسم الأولويات وجوهر الأمور – من كل ما يتعلق بالأنـــــــاقـــــــة ومظاهر الجــــــــمـــــال والإقبال على الحياة، فليست اعتباراتُ الأولويات هي ما يكمن وراءه. إنه بعدٌ عميق مترسّخ في الثقافة المغربية، أطلقت عليه سنة 1984 عبارة “أيـــــــــديولوجيــــــة تامّــــــارا”؛ وهو البعدُ الذي صوّرته، بشكل حيّ وفني، تدوينة الاستاذ محمد الناجي، التي قمت أسفله بمشاطرة التذكير الفايسبوكي الآلي بها.

وبالعودة إلى طقوس تحية العلم وترديد النشيد، أصيف أنها مما يعرف بـطـــــــقوس الانتقــــــال من حــــــال إلى حـــــال (rites de passage d’un mode à l’autre). وأتذكر بهذا الصدد رواية الملك الراحل الحسن الثاني، في استجواب صحفي، لبعض لقطات انقلاب الصخيرات حين قال ما معناه:

[[… وهناك تعرّف عليّ مجموعة من الجنود، فتجمّعوا حولي، فظننت بهم الظنون. نظرت إليهم نــــظــــرة حــــزم وقلت لهم: “بالكوم!”- “راحة!”، وكررت ذلك مرتين (أي Garde à vous! – Repos ! )، وحينئذ تيقّنت من أنهم …، فأمرتهم بــ …]].

كان عمري حينئذ 21 سنة، فاستغربت لرئيس دولة مستهدف في شخصه ونظامه في لحظة تتقرّر فيها المصائر بتوالي الثواني ينصرف إلى ممارسة تلك اللـــــعبـــــة (لعبة “راحة-بالكوم”) التي كنّا نمارسها في ساحات اللعب بالمداشر ونحن أطفال في فجر الاستقلال مقلدين فرق كشفية ذلك الخليط من القوى السياسية التي كانت تبعث بكشفيتها بلباسها الموحد وبشاراتها المميزة لتجوب المداشر والاسواق …

ولقد لزمتني سنون من التجربة لأدرك الوظيـــــــفة التعبـــــوية (وظيفة النقل من حال إلى حال) لمثل تلك الطقوس الشكلية، ليس في الحرب فقط، ولكن كذلك في أمور كثير أخرى قد لا تخطر على بال، كشكل الصلاة في الإسلام مثلا باعتبارها وجها تعبويا دائما مؤطرا بالتوقيت وبشكلية الهيئة والمكان. فهي لا تقام إلا اصطفافا وفي مكان معيّن، ووقت معيّن، وبنظام حركيّ معين، وبقيادة معينة.

 

الخميس 14 شتنبر 2017.