يجتاز المغرب مرحلة سياسية مطبوعة بغياب أية تقاطبات سياسية وإيديولوجية واضحة، كما هو سائد في التجارب الديمقراطية، حيث تتنافس التوجهات السياسية والفكرية، بناء على مذاهب ومشاريع مجتمعية، تتبلور في رؤى وبرامج وتوجهات مختلفة، لا يمكن التوفيق بينها، إلا بشكل عرضي وظرفي، في بعض الأحيان.

ورغم كل التطورات التي تحصل في عالم اليوم، حيث تعيش بعض الأحزاب أزمة، مثل فرنسا، سواء داخل اليمين أو داخل اليسار، إلا أن التجارب في العالم، لم تنتج أي بديل ثابت للتقاطبات السياسية/الإيديولوجية، وهو ما يصدق كذلك على المغرب، رغم الخلط الذي تعرفه الساحة السياسية، اليوم.

ويبدو هذا الخلط واضحاً، في كل شيء، في تشكيلة الأغلبية والمعارضة، في التحالفات التي تحصل بين أحزاب هي على طرفي نقيض كبير في الفكر والإيديولوجية، في التقارب الذي يحصل بين أشخاص وهيئات، مختلفي المشارب والتوجهات، في المواقف المعبر عنها، من منطلقات ظرفية، وأحياناً نفعية صرفة…

سيكون من الصعب في المرحلة السياسية الحالية، وضع حدود فاصلة بين اليميني واليساري والليبرالي، إلا في بعض التجليات التي تظل هامشية، غير أن الطابع الأعم، اليوم، هو تغليب التوافقات السطحية والظرفية، على حساب التوجهات الثابتة.
تجاه هذا الوضع، من الطبيعي أن يُطْرٓحٓ تساؤل وجيه، هل كان في الإمكان أبدع مما كان؟ والجواب هو أنه كان أمام المغرب سيناريوهات متعددة، غير أن الاختيار وقع على إعادة إنتاج هذه البنية المختلطة، باستعمال أدوات متعددة، غير منسجمة أحياناً، وتجميعها لصناعة آلة، كما يحصل في «البريكولاج»، تشتغل مؤقتاً، لتأدية وظيفة معينة، في انتظار تغييرها.

وقد تعرضت السوسيولوجيا السياسية لهذا الموضوع، خاصة في دراستها للمغرب، حيث اعتبرت أن تركيب عناصر غير منسجمة، لتوليف بنية مؤقتة، يدخل في صميم الاستراتيجية التي ينهجها النظام السياسي، الذي يخطط، مع ذلك، للمدى البعيد، لكنه يستعمل تقنية «البريكولاج»، كأداة من أدوات عمله.

من المؤكد أن هذا الوضع يشكل خطورة على السياسة والفكر، ويخدم بالأساس التوجهات التي ترفض الوضوح، وهي عادة الهيئات اليمينية، التي تشتغل هي نفسها بتقنية «البريكولاج»، تستعمل الأيديولوجيا الدينية، تارة، وخليطاً من المواقف والأفكار، من اليمين واليسار والسلطوية والرفضوية، تارة أخرى.

 

الاثنين 18 شتنبر 2017.