لا يعني «العلم» في التراث العربي الإسلامي العلم الطبيعي كما هو شائع في الفكر الغربي، وكما هو مفهوم أيضاً في الفكر العربي المعاصر تحت تأثير الفكر الغربي ، وإحساساً بالنقص أمامه ورغبة في اللحاق بأهم إنجازاته، تقليداً وتبعية ونزولاً على معايير العصر، بل يعني «العلم» كل نسق معرفي ينتظم موضوعاً ومنهجاً وغاية، لا فرق في ذلك بين العلم الطبيعي والعلم الإنساني أو كما يقول الفلاسفة الألمان بين «علوم الطبيعة» و«علوم الروح». وقد يكون أحد أسباب أزمة العلم الطبيعي في الغرب هو الفصل بين العلم الطبيعي والعلم الإنساني بدعوى الموضوعية والحياد والتفرقة بين حكم الواقع وحكم القيمة. فالواقع بلا قيمة، والقيمة بلا واقع. والموضوع بلا ذات، والذات بلا موضوع. وهي ثنائية العصر الحديث التي عرف بها الغرب في الصراع بين المثالية والواقعية، الصورية والمادية، العقلية والتجريبية، والتي في داخلها تأرجحت العلوم الإنسانية بين هذا النموذج مرة، وذلك النموذج مرة أخرى، حتى استقرت على نموذجها الخاص في العلوم الإنسانية كما صاغتها الظاهريات.

ويعني «العلم» هنا المعرفة المنظمة، المعرفة الشاملة التي تعطي تصوراً عاماً للكون والحياة. ولما احتاج كل شيء إلى معرفة تعددت العلوم حتى في جزئيات المعارف. فكل موضوع جزئي علم: علم أسباب النزول، علم الناسخ والمنسوخ، علم المكي والمدني داخل علوم القرآن الكريم، وعلم الحروف وعلم الكتابة وعلم القراءة وعلم البيان وعلم البديع وعلم الصرف وعلم النحو داخل علوم اللغة. ويشمل العلم علوماً عدة. ولذلك يكون اللفظ أحياناً في صيغة المفرد مثل «علم أصول الدين» و«علم أصول الفقه». وقد يكون بصيغة الجمع مثل «علوم الحكمة» لأنها تشمل المنطق والطبيعيات والإلهيات، و«علوم التصوف» لأنها تشمل المقامات والأحوال والرياضات والمجاهدات للنفس.

وفي العلوم النقلية علم التفسير، وعلم الحديث، وعلم السيرة، بالمفرد، وعلوم القرآن لأنها تشمل علم أسباب النزول وعلم الناسخ والمنسوخ وعلم المكي والمدني وعلم المحكم والمتشابه، وعلوم الفقه لأنها تشمل العبادات والمعاملات، الفرائض والسنن بالجمع. والعلوم العقلية كلها بالمفرد سواء العلوم الطبيعية مثل علم الطبيعة وعلم الكيمياء وعلم النبات وعلم الحيوان وعلم المعادن أو العلوم الرياضية مثل علم الحساب وعلم الهندسة وعلم الفلك وعلم الموسيقى، أو العلوم الإنسانية مثل علم اللغة وعلم الأدب وعلم الجغرافيا وعلم التاريخ.

وتتجلى هذه المنظومة العامة للمعارف الإنسانية تحت مفهوم العلم في «مفيد العلوم ومبيد الهموم» للخوارزمي (ت 386). إذ يضم علوم الدين مثل قواعد الدين، وأحكام النبوة، وشرح السنة، وفوائد الدين، والرد على الكفرة والغرائب. كما يعرض لآداب الإسلام، والأوراد والمناظرات، ومعالجة الذنوب، وحقيقة الدنيا وآفاتها، وسلوة العقلاء والحلال والحرام، والحقوق أو المكارم والمفاخر، وغرور الإنسان، والجهاد، وفتن آخر الزمان، ونوادر العلماء، وعلوم الدنيا مثل الجواهر والأقاليم، وعشرة النساء، والسلطان، وأسرار الوزارة، والتواريخ وسير الملوك، والحروب، والتعبير وعجائب البلدان، والخواص.. الخ.

وقد ذكرت صيغة العلم في القرآن 80 مرة، وتعني العلم اللدني المنزل من عند الله سبحانه وتعالى. فالله هو الذي يهب الناس العلم، وهو علام الغيوب. ولذلك ارتبط العلم بالإيمان والتسليم ومعرفة الحق. وهو مضاد للجهل وعدم المعرفة. وهو أيضاً في مقابل الظن، أي العلم بلا دليل. فالعلم لا يكون إلا علماً يقينياً، وطريقة البرهان لا الجدل والمراء. وهو علم لا خلاف عليه ولا تشتت فيه ولا تفرق حوله كما حدث مع أهل الكتاب. وهو علم شامل يروي تاريخ الأمم السابقة، ويتطور بتطور العصر. ولذلك كان علماً يعرف الإنسان منه قدر ما يستطيع، يجمع بين القوة المعنوية والقوة المادية. فالبسطة في العلم وفي الجسم معاً. وأخيراً يبعث العلم على التقوى والهدى. فهو علم موجه إلى النفس لتصفيتها، وإلى الأخلاق لتأسيسها. يتأسس في العقل وفي النفس وفي الطبيعة في آن واحد.

 

السبت 2 شوال 1439هجرية  الموافق ل23 شتنبر 2017.