في أقل من سنة أفرزت الانتخابات العامة في بلدين أوربيين نتائج تعتبر في بعض مستوياتها مثيرة وتنذر بآفاق مقلقة، البلدان هما فرنسا وألمانيا اللذان يشكلان المحور الرئيسي للقارة العجوز وثقلها الاقتصادي والسياسي والسكاني والكلمة الفصل في الاتحاد الأوروبي.

في ألمانيا حملت النتائج أول أمس حزبا يمينيا متطرفا معاديا للمهاجرين اسمه «البديل» إلى البرلمان الألماني «البوندستاج» البالغ عدد مقاعده 631 مقعدا بعد أن حصل على أكثر من 13 في المئة من الأصوات، في الوقت الذي تراجعت فيه الأحزاب التقليدية التاريخية بما فيها حزب انجيلا ميركل، المرأة التي قادت هذا البلد لثلاث ولايات حكومية وتستعد للاستمرار في تحمل منصب المستشارة الذي هو رئاسة الحكومة .

وفي فرنسا، قبل ستة أشهر، أحدثت الانتخابات الرئاسية والتشريعية زلزالا سياسيا، حيث غيرت ملامح خريطة ظلت لعقود متوازنة بين يمين ويسار. لكنها في هذا الاستحقاق جاءت برئيس من خارج هذه الخريطة منتميا لتشكيلة سياسية لم يمر على تأسيسها سوى سنة. كما اكتسحت حركته، وبأغلبية مطلقة، الجمعية الوطنية التي تعد الغرفة الأولى للبرلمان الفرنسي بأكثر من 300 مقعد من 577. لكن ومثل ألمانيا وضع حزب اليمين المتطرف «الجبهة الوطنية» رجله بالجمعية بثماني مقاعد بعد أن وصلت زعيمته الى الدور الثاني في الانتخابات الرئاسية.

إذن هناك مؤشرات على تنامي اليمين المتطرف بهذين البلدين وأوروبا، على العموم، ونذكر هنا نتائج انتخابات سويسرا وهولندا…وهي ظاهرة تستهدف المهاجرين أولا وتحرض على معاداتهم وترحيلهم وتجعل من وجودهم سببا في كل مشاكل القارة اقتصاديا وأمنيا … كما أن نتائج هذه الاستحقاقات تبرز ضرورة تجديد الفكر السياسي وتجديد آليات اشتغاله من جهة ومن جهة ثانية إعادة النظر في الخطاب السياسي تجاه المهاجرين وحقوق الإنسان الذي بقدر ما أصبح يكتنفه الغموض بقدر ما يتسم بازدواجية في المواقف والمقاربات.

إن الأزمة الاقتصادية التي تعرفها أوروبا منذ عقد على الأقل هي نتاج تدبير وخيارات. أما وأن يتم اعتبار المهاجرين مصدرها فهو خطاب شعبوي عنصري يهدف إلى استغلال هذا الملف لأغراض سياسوية انتخابية، ويتناسى عن قصد بأن المهاجرين هم تاريخيا الذين بنوا كلا من فرنسا وألمانيا على الخصوص، بعد حربين عالميتين مدمرتين، وساهموا في الدورة الاقتصادية، وأن هناك اليوم ثلاثة أجيال منحدرة من هذه الهجرة تعيش بجنسية هذين البلدين كمواطنين كاملي المواطنة، أما الموجات الأخيرة للهجرة فإنها ليست سوى تحصيل حاصل لسياسات الغرب الذي أذكى بؤر التوتر وأشعل نيران مواجهاتها الدموية من جهة ومن جهة ثانية للاستغلال الفاحش لثروات وخيرات قارة مثل إفريقيا التي تنهب معادنها وحقولها وغاباتها …دون المساهمة في تنميتها والنهوض بشعوبها …

لكن لابد من الإشارة إلى أنه ضمن هذه الخرائط التي تفرزها الانتخابات هناك قوى سياسية تنتصر للإنسانية وتناضل من أجل المساواة الحقيقية وتستقطب انتخابات عقب انتخابات، المزيد من الناخبين، ونتمنى أن تتم إعادة بناء الحقل السياسي الأوروبي على أسس تحترم الكرامة الإنسانية بتحالف مع القوى الديمقراطية الجديدة بأن تعمل على وقف هذا المد اليميني المتطرف الذي يهدد، أولا وقبل كل شيء، استقرار هذه البلدان وينذر بانزلاقات مجتمعية خطيرة.

 

الثلاثاء 5 محرم 1439/ 26 شتنبر 2017.