نشر الأستاذ عبد المالك الزواقي بصفحته تدوينة قصيرة تقول:

(التراث الضخم الذي خلفه الفقهاء المسلمون_ بجميع طوائفهم ومذاهبهم وخلافاتهم التي لا حصر لها حتى داخل المذهب الواحد_ يستطيع كل واحد أن يجد فيه ما يرضي رغبته. فيه تستطيع أن تجد بكل سهولة ما يحلل الشيء ويحرمه في آن واحد.)

وأعقب هنا على تلك التدوينة بما يلي:

الإشكال في أصله يعود إلى طبيعة منهج من أصل منهجين في التشريع مهما كانت فلسفة المقاصد:

(1) منهج تشريعٍ مهيكلُ المؤسسات من حيث مساطر تشكيلها واكتسابها للشرعية ومن حيث آليات عملها؛ وحين تشرع تلك الهياكل في مسألة على ضوء تصورها للمقاصد يصبح التشريع ملزما للجماعة التي خولت الشرعية وفق مساطر موصوفة. هذه المؤسسات تشرع على ضوء المقاصد التي تحددها نصوص مرجعية أساسية مصوغة بدورها بنفس الطريقة المؤسسية.

(2) تشريع يتولاه أفراد ليست هناك لا مقاييس ولا مساطر آلية صورية لحصولهم، لا كأفراد ولا كجماعة، على الأهلية ولتخويلهم الشرعية. هؤلاء يعلن الفرد منهم عن أنفسهم كـ”عالم” أو “فقيه” أو “شيخ” أو “إمام” بمجرد قوة التدافع الإعلامي في المنابر والساحات، فيكون له أنصار تابعون ومخالفون مناهضون؛ وتلك كلها ألقاب غير موصوفة شروط ومساطر الاكتساب وصفا صوريا، ولا هي موصوفة من حيث حدود الصلاحيات. هؤلاء يشرع الفرد منهم أو الجماعة للمجتمع من غير حاجة إلى إنابة من هذا المجتمع وفق مساطر موصوفة من آليات الإنابة والتمثيل. ومرجع الواحد أو الجماعة الطارئة منهم هو الاحتكام إلى أقـــــــــــــــوال بعض سالف غيرهم من نفس الفئة، أي العلماء، الشيوخ، الأئمة … على سبيل انـتــــقـائيــــة لا سبيل يعصمها من المزاجية والاعتباطية التحكميّة، سواء على شكل مؤلف تشريعي شخصي أو على شكل “فتوى” في نازلة. وفي هذا الباب الأخير، وفي إطار الفوضى التي يستتبعها ذلك النهج المزاجي، أسّسوا مبدأ يقول: “مــــــن اقــتـــــدى بعــــالـــم لــــم يــذنـــب”. وهذا ما دفع ببعض الظرفاء إلى القول بما يلي، على البحر الخفيف، في حُكم سماع الموسيقى وشرب الخمر:

ديـنُــنا في السَّماعِ دي،نُ مَدِيـنْـيـ ** ـيٍ وفي شُربِـنـا الشَّـرابَ عِـراقـي

– ذلك أن الأئمة أربعة كما تم التعارف على حصرهم بعد حين حسب الأمصار في بعض الفضاءات الثقافية، كما يوضح ذلك قولهم على بحر الرجز:

الإمام الأكبر أبـــو حنــيفــــة ** ففي العراق دارُه معروفة
والشافعي والحنبلي بمصرَ ** ومــالك إمــامُ دار الـهـجرَة

فبما أن إمام “دار الهجرة” (الحجاز، وعاصمته الثقافية حينئذ يثرب التي أصبحت تسمى المدينة) اضطر إلى التأقلم مع المحيط فأفتى بتجويز ما كان منتشرا حينئذ في ذلك المحيط من حلقات الأنس والسماع لكنه قال في الخمر “ما قاله مالك” كما يقولون. أما إمام “أرض السواد”، أي العراق المعروفة بكرومها وخمورها فقد تأقلم بدوره مع محيطه فأجاز شرب النبيذ. فذلك ما دفع بالظريف المذكور إلى انتقاء “وصفة دينه” على شكل التركيبة التي صاغها البيت أعلاه بطريقة لا تقل انتقائية من انتقائية المنهج الأخير من مناهج التشريع. فعل ذلك وهو مستند إلى مبدأ “من اقتدى بعالم لم يذنب”.

 

الخميس 7 محرم 1439 هجرية / 28 شتنبر 2017.