تكتسي مبادرة «المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير» بالمغرب، بتنظيم لقاء أكاديمي، مغاربي حول موضوع: «الذاكرة التاريخية المشتركة، المغربية-الجزائرية»، ضمن فعاليات «المهرجان الثقافي المغاربي»، الذي احتضنته «وكالة التنمية للجهة الشرقية» بشراكات متنوعة مع مؤسسات وازنة – تكتسي المبادرة أهمية بالغة، اعتباراً للظرفية السياسية الدقيقة التي تحيط برهان الاندماج المغاربي المنشود..

ولا مرية، فإن ما تعرفه العلاقات المغاربية من نكوص وفتور، وأحياناً كثيرة من تصدع وتوتر، وما تتعرض له مكتسبات الكفاح التحريري المغاربي المنجزة، عبر مسيرة طويلة من النضال المرير، والتضحيات الجسيمة، من هدر وتبدد – إنما يسائل المغاربيين جميعاً، نخباً مجتمعية، وحكومات مغاربية، من أجل مراجعة المسار الذي أفضى إلى هذا المآل، وذلك انطلاقاً من إنعاش الذاكرة المغاربية المشتركة، وصولاً إلى استثمار ما تكتنزه من مؤهلات الاستنهاض، ومقومات الانبعاث.

وفي سياق هذا التوجه السديد، فإن إجراء حوار أكاديمي، هادف، حول معطيات وحقائق ودلالات «الذاكرة المشتركة» بين البلدين الشقيقين، الجزائر والمغرب، انطلاقاً من الأبحاث والدراسات التي يستجمعها الكتاب الذي أصدرته، مؤخراً، «المندوبية السامية» تحت عنوان «الذاكرة التاريخية المشتركة المغربية-الجزائرية» من جزئين، بمساهمة كوكبة من الباحثين المغاربة والجزائريين – إن إجراء حوار موضوعي رصين حول الذاكرة التاريخية المشتركة، ليشكل بحد ذاته قوة دفع ثقافي، في اتجاه استنهاض الهمم لإعادة الارتباط بمشروع الوحدة المغاربية المنشودة…

وغني عن القول، فإن احتضان مدينة وجدة المغربية – التي شكلت قاعدة خلفية للثورة الجزائرية على مدى تسع سنوات من الكفاح التحريري الجزائري – للقاء الأكاديمي، ليكتسي رمزية بالغة الدلالة على أهمية وحيوية التضامن المغاربي…

ومما لا ريب فيه، فإن وقفة تأملية حول «الذاكرة التاريخية المشتركة، المغربية-الجزائرية»، بما تنطوي عليه من حمولة وجدانية، ودلالات نضالية، وتطلعات مستقبلية على الصعيد المغاربي – أضحت تفرض نفسها اليوم، من أجل مساءلة القوى الحية، السياسية والمجتمعية، في البلدين الشقيقين، حول واقع ومستقبل المغرب الكبير..

وفي هذا السياق، فإننا عندما ما تقارب الذاكرة المشتركة بنظرة تحليلية، ناقدة، فإنه لا يسعنا إلا أن نقر بأنها ذاكرة ذات وجهين، وجه السجل الإيجابي، ووجه السجل السلبي لها.

(1) أما الوجه الإيجابي لهذه الذاكرة فيغطي مرحلة تاريخية مديدة، تتمفصل حول حقب تاريخية ثلاث:

أولاها، حقبة ما قبل سنة 1830، وهو تاريخ احتلال الجزائر، الذي كان مقدمة للاحتلال الاستعماري لمنطقة الشمال الإفريقي.
وتحيل هذه الحقبة التاريخية المديدة – من الفتح الإسلامي إلى العصر الحديث – على واقع وسيرورة التواصل الثقافي، والتمازج السياسي، في ظل ما جمع ويجمع بين البلدين، وغيرهما من بلاد «الغرب الإسلامي»، من وحدة العقيدة والمذهب، وسِعة المشترك من الجغرافيا والتاريخ…

ثانيتها، حقبة الدفاع، المتوازي، والمتزامن، عن حوزة وسيادة الكيانات السياسية، الوطنية في كل من المغرب والجزائر ضد حركات التوسع العثماني والايبري في الشمال الإفريقي في القرن السادس عشر.

وقد تصدى المغرب الأقصى، بكل قواه، في ظل الدولة السعدية، ثم في ظل الدولة العلوية لهذه المشاريع التوسعية المهددة لكيانه الوطني من جهة، وسار، بالنسبة لجارته الشقيقة، الجزائر، على «منهج مؤيد لجميع الحركات الوطنية المناوئة للأتراك والتي ترمي لتكوين مملكة جزائرية مستقلة»، كما كتب الزعيم المغاربي، المرحوم علال الفاسي، من جهة أخرى (علال الفاسي، الحركات الاستقلالية في المغرب العربي).

ثالثتها، حقبة نهوض الحركات الوطنية، في كلا البلدين، لمواجهة الاستعمار الغاشم، ثم انطلاق حركة المقاومة من أجل التحرير (1930-1962). وتختزن الذاكرة المشتركة رصيداً زاخراً من التضامن والتعاضد بين حركتي التحرير في كلا البلدين.

وفي هذا المضمار، فقد كان التفاعل والتجاوب والتضامن بين البلدين، وهما يرزحان معاً تحت نير الاحتلال الاستعماري، عفوياً، متواتراً، قوياً…

وفي هذا الإطار، فقد اعتبر أحد قادة الثورة الجزائرية، الرئيس يوسف بن خدة في مذكراته (=جذور أول نونبر 1954)، أن صَدى ثورة الريف المغربية في الجزائر شكل أحد جذور ثورة الفاتح من نفمبر 1954 الجزائرية.

كما وثق هذه الحقيقة التاريخية كل من رائد الحركة الوطنية الجزائرية المرحوم: مصالى الحاج، وأحد أعلام الفكر والثقافة بالجزائر: مالك بن بنى في مذكراتهما (=»مذكرات مصالى الحاج: 1898-1938»/مذكرات مالك بن بنى: «مذكرات شاهد للقرن).

ومن جهة أخرى، فقد أصبح المغرب، دولة وشعباً، منذ الاحتلال الفرنسي للجزائر نصيراً وداعماً للشعب الجزائري، بل تصدى، بكل ما يملك من قوة، ويحظى به من نفوذ، لمواجهة ومدافعة الغزو الاستعماري للفضاء المدني الجزائري، باذلاً في ذلك تضحيات جساماً لم تكن أقلها مواجهة جيش الاحتلال الفرنسي، في معركة إيسلي الشهيرة سنة 1844، وما ترتب عنها من تداعيات عسكرية وسياسية وترابية، كان لها أعمق الأثر على مستقبل المغرب.

وبفضل هذا المسلسل التاريخي، التراكمي، من التمازج الثقافي، والتجانس المجتمعي، والتضامن النضالي من أجل التحرير، نمت في أعماق الوعي الجمعي بالبلدين، مقومات هُوية مغاربية مشتركة، وتجذرت في صميمه إرادة التعاون والتعاضد، في سبيل بناء مستقل مشترك زاهر…

وقد رسمت تجارب العمل النضالي المشترك ابتداء من:

تجربة «مكتب المغرب العربي» بالقاهرة (1947)، لتنسيق خطط الكفاح التحريري المغاربي؛
وتجربة بناء صرح «اتحاد المغرب العربي» (1989-1994)، الذي شكل ويشكل إطاراً مؤسساتياً للاندماج المغاربي المنشود؛
مروراً بمؤتمر طنجة، التاريخي، لحركات التحرير المغاربية (أبريل 1958)، الذي أعطى للثورة الجزائرية قوة دفع، سياسية ولوجيستيكية ودولية، قوية…
لقد رسمت هذه التجارب الوحدوية الرائدة، منهجاً قويماً، قوامه المسئولية والصدقية، في التعاطي مع الإرادة الشعبية لأقطار المغرب الكبير…

(2) أما السجل السلبي للذاكرة المشتركة، فإنه يترجم، على نحو دراماتيكي، واقع الانقلاب الحاصل على نهج التضامن والتفاهم في معالجة الإشكاليات الدقيقة، والتطورات اللاحقة التي فرضت نفسها في مرحلة ما بعد استقلال الشقيقة الجزائر.
ويتعلق الأمر، تحديداً، بثلاث إشكاليات مزمنة:

أولاها، إشكالية التركة الاستعمارية للحدود المشتركة بين البلدين، وهي التركة التي قادتهما إلى مواجهة عسكرية في أكتوبر من سنة 1963، بسبب غياب تسوية سلمية لها، على قاعدة تعهدات الحكومة المؤقتة الجزائرية برئاسة الراحل فرحات عباس، وكما تضمنها «بروتوكول الاتفاق» الموقع في يوليوز 1961 مع المملكة المغربية، بشأن تسوية «المشكل الترابي» بين البلدين.
وغني عن البيان أن توصل الطرفين إلى نوع من «التسوية المؤقتة» التي أعلن بموجبها عما سُميّ باتفاق الرباط، بتاريخ 15 يونيه 1972، إنما يعكس بكل تأكيد سعى المغرب الحثيث إلى تهدئة وتطبيع العلاقات مع الشقيقة الجزائر، مهما كلفه ذلك من تضحيات في ذات ترابه ومصالحه، وإلى نزع فتيل التوترات والمواجهات التي حالت وتحول دون السير قدماً نحو تحقيق اندماج بلدان المغرب العربي الكبير؛

ثانيتها، إشكالية تداعيات «الحرب الباردة» على مستوى الإقليم المغاربي، وهي الإشكالية التي أفرزت تنافراً سياسياً، وتنابزاً دبلوماسياً، إقليمياً ودولياً، على خلفية الاستقطاب الإيديولوجي (1963-1990)، الذي طبع هذه الحقبة على الصعيد المغاربي، كما على الصعيد العالمي؛

ثالثتها، إشكالية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، غداة تحرير المغرب لها من قبضة الاحتلال العسكري الإسباني (1975)، تتويجاً لمسلسل طويل من النضال السياسي والميداني المغربي (1957-1975)؛ وهي الإشكالية التي ما انفكت تسمم العلاقات المغربية-الجزائرية بمختلف مستوياتها السياسية والاقتصادية والجيوسياسية…
وفي سياق هذه التوترات والنزاعات المزمنة، تم الإجهاز على مكتسبات حيوية في سجل الذاكرة المشتركة، في مقدمتها إغلاق الحدود بين البلدين، وتعليق مسلسل بناء «اتحاد المغرب العربي»، وتغليب لغة التنازع والتواجه على خطاب التوافق والتضامن على الصعيدين الإقليمي والدولي…

وقد أفضت هذه التطورات إلى الزج بالعلاقات المغربية-الجزائرية في مأزق سياسي مستحكم، بات يحاصر مكتسبات السجل الإيجابي للذاكرة المشتركة، ويطارد حظوظ ومستقبل الأجيال الحاضرة واللاحقة في إرساء فضاء مغاربي، ديمقراطي، تنموي، حداثي مزدهر…

إن دقة المرحلة العصيبة التي تجتازها منطقة المغرب الكبير، في ظل المتغيرات الجديدة، المحلية والإقليمية والدولية من جانب، وفي حمأة المخاطر الإرهابية المتفاقمة التي باتت تهدد أمن بلدانها، وسلامة شعوبها من جانب آخر – إن دقة هذه المرحلة لتسائل بقوة مختلف الفاعلين السياسيين بالبلدين الشقيقين، من أجل التّصدي الحازم للمأزق السياسي الراهن الذي يشل علاقاتهما الثنائية، بمختلف متغيراتها السياسية والاقتصادية والتواصلية…

وفي هذا المضمار، يجدر بالنخب الفكرية والثقافية والمجتمعية في كلا البلدين تبني مبادرة العمل الدؤوب في اتجاهات ثلاث:

أولها، تفعيل البعد الثقافي، واستدعاء المكتسب التاريخي الإيجابي من أجل إذكاء الذاكرة المشتركة، وتحفيز القوى المجتمعية الفاعلة، السياسية والإنتاجية والمهنية، على رفض حالة الاستسلام لآثار ومضاعفات السجل السلبي للذاكرة؛

ثانيها، تحرير قراءة السجل الإيجابي للذاكرة التاريخية المشتركة من أسر الاعتبارات السياسية الظرفية، المهيمنة، وذلك باعتماد القراءة الموضوعية، والتمثل الإيجابي، البناء للتاريخ المعاصر للمنطقة المغاربية، والاستشراف المتبصر لأفق مستقبلها؛

ثالثها، استثمار السجل الإيجابي للذاكرة المشتركة من أجل مد جسور التواصل وتعزيز حظوظ التفاعل بين مختلف القوى المجتمعية المغاربية، السياسية والاجتماعية والثقافية، وذلك في اتجاه بلورة رؤية مشتركة، واستشراف أفق جديد، لاستعادة الثقة وإنعاش الأمل في مشروع الوحدة المغاربية، وذلك انطلاقاً من العمل على إعادة بناء الثقة بين المغرب والجزائر.

ونعتقد أن ذلك ممكن، قابل للإنجاز إذا ما توفرت الإرادة السياسية الضرورية من أجل:

أولاً، فتح الحدود المغلقة بين البلدين منذ أزيد من عقدين من الزمن، وتفعيل العمل بمبدأ حرية تنقل الأشخاص والبضائع والأموال بين البلدين؛

ثانياً، استئناف مسار بناء صرح «اتحاد المغرب العربي»، وذلك بالعمل، في إطار توافقي، مغاربي، على عقد الدورة السابعة لـِ «مجلس رئاسة الاتحاد المغاربي»، وهي الدورة المعلقة منذ أزيد من عقدين؛

ثالثاً، إيكال النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية إلى ولاية الأمم المتحدة، واحترام مسار الحل السياسي كما اعتمده مجلس الأمن الدولي منذ 2007، وتفعيل مبادئ حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير…

إن المقولة الحكيمة التي فاهت بها، منذ زمن غير بعيد، إحدى الشخصيات الجزائرية المرموقة، قائلة: «لا يمكن للجزائر أن تظل شاهرة سلاحها مائة سنة من أجل دعم مطلب خلق دولة جديدة» – إن هذه المقولة لتُصيغ في الحقيقة نداءً من أجل التزام الحكمة والتبصر في تسوية هذا النزاع الذي طل أمده، وتفاقمت كلفته المغاربية، وعلى إيقاع هذا النداء المتبصر، على لسان هذه الشخصية الجزائرية المرموقة، يمكن لـِ «الذاكرة التاريخية المشتركة، المغربية-الجزائرية» أن تتحرر من سجلها السلبي الطارئ، لكي تعزز سجلها الإيجابي الثابت.

(25 شتنبر 2017.)

نشر بها يوم 7 محرم 1439/ 28 شتنبر 2017.