حدثت مصادرة كبيرة لسلوك وأفعال النبي محمد (ص) من طرف فقهاء السنة ومؤرخي السيرة النبوية، إما لتعاملهم العفوي مع الفعل والقول النبوي على أنه مقدس في ذاته أو لأنهم جعلوه مقدسا وأضفوا عليه طبقات من القداسة لأسباب نفسية أو أيديولوجية في إطار الصراعات السياسية التي عرفها مجتمع شبه الجزيرة العربية في مرحلة الخلافة النبوية، ولاسيما منذ عثمان بن عفان (ض) وصولا إلى الملك العاض مع بني أمية أقوى وأكبر قبائل شبه الجزيرة العربية.

ولأن من تكفلوا بتدوين السيرة النبوية كابن هشام وغيره كتبوا سيرة النبي كذكور أو تحت ضغط موازين القوى السياسية والقبلية.

هذا المقال لن يفحص بطبيعة الحال حالات هذه المصادرة الفقهية باسم السنة والجماعة، ولن يشرح حالات لسلوك نبوي يشي عن منهج أو هدف حداثي، لكن يريد أولا التنبيه إلى أن النبي محمد تصرف في يومياته كبشر وأخضع أفعاله لقوانين المجتمع الذي يعيش فيه أي مجتمع شبه الجزيرة العربية بنشاطاته الاقتصادية وصراعاته القبلية وحساباته السياسية، وتصرف في كثير من أفعاله بروح ومنهج وأفق حداثيين بدعوته لإعمال العقل و نبذ الخرافة والأساطير والغرائز، وإخضاعه لكثير من النوازل والوقائع المعروضة عليه للعقل وحلها بآليات الحوار والتحليل والترجيح والتفاوض.. وهي الآليات التي تقوم عليها الحداثة في نهاية المطاف والتي تلتقي فيها مع الجانب المتنور والمقاصدي في الدين الإسلامي.

هدفت الدعوة المحمدية لتحقيق ثلاث أهداف كبرى على الأقل، وهي التوحيد، وتكريم الأقليات لا سيما العبيد والنساء، وإحلال السلم في مجتمع الجزيرة العربية.

قبل بعث الإسلام كان أفراد هذا المجتمع يعبدون آلهة فوق طبيعية في شكل أصنام وأوثان مثله مثل جميع المجتمعات البشرية التي جعلت لها آلهة تعبدها لإشباع حاجاتها الروحية، وفسرت ذاتها والظواهر الطبيعية والعالم الخارجي على ضوء إرادة وتدخل هاته القوى فوق الطبيعية والميتافيزيقية.

حدث هذا الأمر مع الهنود والصينيين والرومان والإغريق والأمازيغ وغيرهم من الشعوب والجماعات البشرية.

ومثل جميع المجتمعات البشرية تقريبا تعاملت أنظمة الحكم مع الأقليات ولا سيما الأجانب والنساء والعبيد بمنطق الإقصاء و الاستغلال والاحتقار والسخرة، ومن المعلوم أن القبائل في شبه الجزيرة العربية وأسياد قريش احتقروا المرأة بل واعتبروها عارا على القبيلة والعائلة عاملين على وأدها حية، وفي أحسن الحالات جعلوا منها أمة أو جارية ومملوكة.

ورغم أن المرأة شاركت في الحرب إلى جانب الرجل، وغشت عوالم تجارة القوافل، وقرضت الشعر.. فإن ذلك لم يشفع لها لتحسن وضعيتها في مجتمع ذكوري أبيسي بامتياز.

ولم يكن حال السود والملونين أحسن حال المرأة فقد تم استخدامهم كعبيد من طرف أسياد قريش بمن فيهم أولئك الذين تحولوا إلى خلفاء كعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان أو أولئك الذين تحولوا إلى صحابة للرسول (ص).

وبطبيعة الحال فالأجانب عن شبه الجزيرة العربية من المصريين ومن بلاد آسيا الصغرى وخصوصا من الفرس الأتراك.. الذين قادتهم ظروف التجارة إلى شبه الجزيرة العربية عانوا من تمييز كبير ووظفوا كموالي و عبيد وسائسي خيول.. وحرموا من عدد من الحقوق البيولوجية والمعنوية..

والحال أن مجتمع شبه الجزيرة العربية تصرف في موضوع الأقليات بنفس تصرف مجتمعات أخرى كالمجتمع المصري والروماني والإغريقي والفارسي، وغيرها من المجتمعات التي احتقرت المرأة واستعبدت السود والملونين وحرمت الأجانب من الحقوق المدنية والسياسية.

تمثل حرب داحس والغبراء نموذجا مرجعيا لمعرفة وقياس مستوى الهدوء والسلم في مجتمع شبه الجزيرة والعربية، حيث كان الصراع بين القبائل حول المجال او السلطة أو الشرف هو قانون الجزيرة ووسيلة أفرادها وقبائلها لتدبير الإختلاف.

وبطبيعة الحال فمجتمع شبه الجزيرة العربية تصرف بنفس منطق المجتمعات المحيطة به في شمال إفريقيا وشبه الجزيرة الايبيرية وبلاد آسيا الصغرى ومصر الفرعونية والامبراطورية الرومانية وبلاد الإغريق، وغيرها من المجتمعات التي لجأت إلى الحرب لحل خلافاتها الخارجية و/ أو الداخلية.

ماذا فعل النبي محمد (ص) إذن أمام هذه الوضعيات الثلاث؟ وكيف تصرف كرجل حداثة في مجتمع محافظ وتقليدي؟

في تقديري الشخصي أن أول سلوك حداثي للنبي محمد هو زواجه من إمرأة تشتغل خارج البيت وتكبره سنا.

فالرسول (ص) تزوج من السيدة خديجة بنت خويلد وهي تمارس التجارة، أي أنها تخالط الرجال و تسافر ضمن القوافل التجارية إلى مناطق متعددة من شبه الجزيرة وتغيب عن بيتها لمدد طويلة.

وتزوجها مع علمه بفارق السن بينهما وأنها في الأربعين مما يعني ضعف ليس فقط قدراتها الجنسية ولكن أيضا فرصها في الإنجاب.

في الواقع إن هذا السلوك على بساطته هو سلوك ثوري وحداثي في مجتمع تقليدي ومحافظ جدا ومتشدد للأعراف والعادات القبلية كشبه الجزيرة العربية، إن لم نقل إلى مجتمعاتنا الحالية التي لا يمكن أن تقبل الزواج من سيدة متقدمة في السن او أكبر سنا من الزوج أو يرفض عدد من ذكورها من الزواج من نساء يشتغلن خارج البيت.

وكما هو معلوم فخطوة الزواج من السيدة خديجة بنت خويلد رفضت أولا من المقربين من الرسو ل(ص)، ولا سيما أعمامه ومن طيف واسع من سادة قريش وبسطائها لزعزعتها لأعراف قريش والقبائل الأخرى..

فالذي حدث بهذا الزواج أن النبي محمد قلب معايير معاملة وتقييم المرأة في هذا المجتمع المركب والمعقد.. إذ شكك بفعله في معايير النسب والمال والجمال التي كانت شرط الزواج في شبه الجزيرة، كما قلب نظرة المجتمع للنساء المتقدمات في السن واللواتي لا يتوفرن على حظ كبير من الجمال.

كان الزواج من التاجرة والأربعينية خديجة بنت خويلد التي لا تدخل ضمن محور نساء عائلة محمد بن عبد الله ثورة على كل المعايير القبلية السائدة تقريبا، على معايير الحسب والنسب والجمال.. وعلى معيار الزوجة للبيت وعلى معيار اولوية الزواج من نساء العائلة

إن هذا السلوك ليس هو جوهر الحداثة وليس كل الحداثة بشروطها الحالية، ولكنه في ارتباط بمكان وزمان القيام به، أي شبه الجزيرة العربية في القرن السادس الميلادي يعتبر حدثا ثوريا على معايير وقيم وأعراف المرحلة سيؤثر فيها لاحقا وستكون له امتدادات.

الوجه الثاني لحداثة النبي محمد في تقديري هي النقلة الكبرى التي أحدثها في باب تفاعل أفراد شبه الجزيرة العربية مع حاجاتهم الروحية الفطرية، ففي الوقت الذي كانوا يتخذون فيه آلهة فوق طبيعية للعبادة، أو يفسرون الظواهر الطبيعية من جفاف وفيضان وحرب ومرض.. على ضوء ما يريدونه من هذه الآلهة، وحدهم محمد على قاعدة إلاه مشترك وعلى قاعدة تدرج في تفسير الظواهر الطبيعية من الأقدار والعلل الغيبية إلى العلل الواقعية والعقلية.

كانت طريقة النبي محمد بيداغوجية وسهلة فهو ينطلق من العام والمعلوم ليصل إلى الخاص والمجهول؛ وبهذه الطريقة كان يعلم الناس أول شرط في الحداثة وهو إعمال العقل وإخضاع الظواهر للمنهج والاستدلال العقلي.

ورغم أن النبي محمد لم يتقدم كثيرا في الأمر، فإن طريقته ساعدت الكثيرين من أفراد مجتمعه على التشكيك في التفسيرات الغيبية والأسطورية والخرافية التي كانت سائدة في شبه الجزيرة العربية.

الوجه الثالث لحداثة النبي محمد بالضبط موقفه من العبودية ومن وضعية المرأة في شبه الجزيرة العربية.

إن تحريره للسيد بلال بن رباح وتكليفه بإقامة الآذان ليس مجرد حدث عابر في تقديري؛ إنه فعل حداثي بامتياز فيه تشجيع على الاعتراف بالآخر بغض النظر عن لونه وعرقه ومكانته الاجتماعية وقناعاته.. ولعمري أن هذا المبدأ يشكل جوهر الحداثة كما نجدها في النصوص الفلسفية وفي تطبيقاتها في الاعلانات العالمية لحقوق الانسان والمواثيق الدولية.

بخصوص تكريم الاسلام للمرأة غالبا ما يتبادر إلى ذهني سؤال نقدي ضاغط:

ألم يتدخل النبي محمد في تكييف الوحي وفق خصوصيات مجتمع شبه الجزيرة العربية؟ وبشكل أدق ألم يساهم النبي في تطوير موقف القبائل والأفراد ولاسيما الذكور في شبه الجزيرة من وضعية المرأة؟

في تقديري الشخصي أن النبي محمد ترافع عن حقوق المرأة في مجتمعه أكثر مما تكفل بتوصيل الوحي الإلاهي في هذا الموضوع.

رابع أوجه حداثة محمد (ص) في نظري هو أنه نجح في إحلال الحوار محل العنف في تدبير الاختلاف في شبه الجزيرة العربية وقد سلك في ذلك كل المسالك التي تقتضيها الحداثة التفاوض والتنازل والتواصل والنقاش والتناظر والكتابة والقانون.. وقد نجح الى حد كبير في التخفيف من خطاب العنف والكراهية والثأر الذي عرفته الجزيرة.

خامس وآخر أوجه حداثة محمد هو نجاحه في إقامة تعاقد اجتماعي على قواعد دينية وواقعية؛ إذ نجح في الانتقال بشبه الجزيرة العربية من حالة الحرب والاقتتال والصراع حول المجال والسلطة والشرف إلى مجتمع موحد يحل مشاكله وخلافاته بالرجوع الى قوانين دينية موحدة والى قانون السلامة للجميع.

ملاحظة أن محمدا هذا الذي سينجح في هذا الانتقال لم يكن من أسياد قريش أو ملوكها وأمرائها أو أغنيائها حتى يستفيد من الرأسمال المادي والرمزي الذي يوفره هذا الموقع.

محمد بن عبد الله كان رجلا بسيطا بوحي إلاهي ولكن أيضا بعقل متقدم عن أقرانه وبيئته وزمنه..

لهذا فالتفسير الفقهي لأمية محمد ليس دقيقا ويدخل في باب تقديس النص الديني والسيرة النبوية وربما خضع لحسابات إيديولوجية.

في الختام أظن أن المتنورين من المثقفين والأكاديميين والباحثين ورجال الدين أصبحوا مطالبين بإلحاح بإعادة قراءة شخصية النبي محمد (ص) وسيرته على ضوء هذه المعطيات، لأن في ذلك تحريرا للفكر الانساني من تأويلات ربما عفوية وربما إيديولوجية لسيرة محمد(ص).

وفي تقديري أن هذا العمل ضروري لربح معركة الحداثة الفكرية التي ستؤدي حتما إلى الحداثة السياسية والاقتصادية. ولا أظن أن هناك من مدخل أفضل من مدخل استخراج الحداثة من سلوك وسنة النبي محمد (ص) واجتراحها من الموروث الديني نفسه، وذلك كمقدمة للبحث في شروط الفصل بين الديني والسياسي، كما قد يوجد في المصادر الأولى للإسلام.

الاثنين 11 محرم 1439 هجرية 02 اكتوبر 2017