مازال الفقر يجثم على صدر ملايين المغاربة ،يحاصرهم ويضيق خناق عيشهم ، ويجعل حياتهم صعبة وقاسية، والسلطات مدعوة بكل مستوياتها أن تبذل المزيد من الجهود وأن تضع السياسات العمومية وتضخ دماء جديدة في الاستراتيجيات التي تستهدف هذه الآفة في معاقلها ومنابعها.

الخريطة الجديدة للفقر ببلادنا والتي رسمتها أول أمس المندوبية السامية للتخطيط تفيد بأن معدل انتشار الفقر متعدد الأبعاد بلغ على المستوى الوطني 8,2 في المئة سنة 2014.

وأن عدد المواطنين الذين يعانون من وطأته بلغ 2,8 مليون نسمة، 400 ألف منهم ، بالوسط الحضري و2,4 مليون بالوسط القروي حيث يرتفع معدل انتشار الفقر إلى 17,7 في المئة.وبالتالي فإنه لا يزال ظاهرة قروية بامتياز في شكله النقدي، إذ يشمل 2 في المئة في الوسط الحضري و9 في المئة في الوسط القروي مشددا على أنه «لا يجب أن يحجب عنا عدم الدلالة الإحصائية ثقل الدلالة الإنسانية لهذه الظاهرة».

إن جهودا بذلت بدون شك في مواجهة الفقر، ونتذكر هنا ما سبق أن أعلن عنه صندوق النقد الدولي في ثمانينيات القرن الماضي، حيث أشار في أحد تقاريره إلى أن هناك سبعة ملايين مغربي يوجدون تحت عتبة الفقر . لكن أبرز الأوراش التي تم فتحها لمحاربة الظاهرة، هي تلك التي وضعت سياساتها العمومية حكومة التناوب التوافقي قبل حوالي عقدين . أما أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أطلقها جلالة الملك سنة 2007 فساهمت بدور كبير في مواجهة آفة الفقر، خاصة وأنها تنبني على محاربة الفقر بالوسط القروي والإقصاء الاجتماعي بالوسط الحضري مع وضع برامج تستهدف الهشاشة…

لقد أكدنا سابقا أن معضلة الفقر والفقراء مازالت تشكل «ثابتا بنيويا» في حياتنا الوطنية، وأن المعطيات الخاصة بها تسائل المجموعة الوطنية،وأن المعادلة الراهنة، في الأنظمة والنماذج المجتمعية هي المعادلة التي تهدف إلى الحد من الفقر بدون أن يعني ذلك الحد من الثروات.. بما يعني ذلك تطوير الثروة وإنتاجها وتقوية وتنمية الرافعات الاقتصادية للوصول إلى إنتاج الثروة، مع الحرص عبر الأنظمة الاجتماعية والضريبية على توزيعها التوزيع العادل.

ونؤكد من جديد أنه بالرغم من التطور في الوعي بهذه المعادلة، والوعي بالآثار الصعبة، والكارثية أحيانا على الزمن والتوازن الديموغرافي والمجالي، والفوارق الطبقية المرتفعة والمعطلة للقدرات الوطنية ، فإننا مازلنا في حاجة إلى برنامج ضد الإثراء الفاحش، عبر الطرق المتفق عليها، ومنها الضريبة على الثروة، بكل ما تعنيه من شجاعة في القرار وانتظامية في مراكمة الحواجز المطلوبة لطغيان الوفرة ، بالرغم من قلة ما يتوفر لدينا، على الندرة ، مع كثرتها، وكثرة الحاجيات التي تخلقها.

وتبقى محاربة الهشاشة والفقر وكل مظاهر الحيف والإقصاء الاجتماعي والمجالي، تتطلب تطوير آليات التضامن والتآزر وضمان المناصفة بين المرأة والرجل وتكافؤ الفرص بين مختلف المواطنات والمواطنين بموازاة مع إعادة توجيه السياسات الاجتماعية خاصة في مجالات السكن والصحة والحماية الاجتماعية، نحو خدمة مستلزمات الاستقرار الاجتماعي. ولدعم ذلك بل وليكون له بعد تضامني يجب إقرار شراكات متعددة تستهدف كل بؤر الفقر وأسبابه …وكل المظاهر التي تغذيه.

 

 الجمعة 15 محرم 1439 هجرية / 06 اكتوبر 2017.