برائحة الحبر التي ما زالت عالقة بكل الكلمات

بمسحوق الطباشير وهو يتحلل في المخيال
بعفوية الطفولة
وهي تعود كاملة غير منقحة ولا مزيدة
بالرهبة ذاتها التي تسبق المعرفة
بالأسماء التي تعلمتها،
على أيديهم
قبل أن تصير الأشياء
بالأشياء التي ظلت في غمرة المجهول إلى أن صارت الأسماء
التي أحفرها في أعماقي
عن ظهر قلب
هم الذين أضافوا الأسماء إلى عالم كنا نعتبر، في بداية العمر أن فيه الأشياء فقط

أذكرهم واحدا واحدا،
معلمي الابتدائي، حيث حاصرنا الكلمات في جنبات الأقسام والساحات الرطبة
كما تفعل الشمس بالظلال وهي تسوقها إلى الفصول
السي الطيبي اتواتي، معلمي في الأولى ابتدائي، كان وقتها سنة التحضيري
ربما كان من المعلمين القلائل الذين يكثرون من ارتداء الأزياء التقليدية
في ذهني صورته الآن وهو يصلي
وارتسام غامض، طفولي، بأنه كان معلما صعبا
لا قاسيا ولا عنيفا
صارما
وأذكر السي بوزغود له المحبة في نسختها الأولى
والسي اسبيع رحمه لله، أول من درست على يده الفرنسية
اشتهر عندنا بأمره الحازم toi- assois
ما يشبه دعوة التلميذ إلى إجلاس نفسه
عرفناه بحرصه الشديد، والذي يصل إلى استعمال العصا الزيتونية المفتول
اذكر السي بندحو
والسي زدوري، الذي كثيرا ما لقننا الصرف والنحو الفرنسي على إيقاع الأهازيج الشعبية
le verbe chanter
au passé composé
والسي بندحو وسيارته الصغيرة البطيئة
والسي دادي، الذي لم يكن يتردد في أن يأمرنا بكتابة أية كلمة لم نعرف مقابلها بالفرنسية إلى كتابتها بالعربية
La saguia ,disait-il
كان يقول أيضا
المهم هو أن تجيدوا التراكيب والأفعال والصرف ونحوها، القاموس سيأتيكم من بعد
أذكر السي عبد لله غربال، أطال لله عمره،
والذي أدين له بلغتي العربية الحالية
وبارتباطي الكبير بنحوها وشعرها
ما زالت أذكر مساءات الخميس المرعبة، عندما تكون الحصة حصة شكل، وغياب نصف القسم
وأذكر كيف كان يطلعنا على أشياء لم تخطر ببال، في نهاية السنة
قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل لامرئ القيس مثلا
اشكلْ
واعِرب
كنا نمازح الخائفين
اشكل
واهرب
أمثال السي عبد لله غربال
والسي سبيع
كنا نحمل معنا ­وما زلنا ­ الرهبة منهم
ومن مصادفة غير سعيدة تجعلنا وجها لوجه معهم في الشارع،
أو الزقاق الضيق لدواويرنا المكومة على نفسها
بأطراف العالم الصغير حولنا
المفروض فينا أننا نخرج من القسم إلى البيت للمراجعة والتمارين
لا الخروج إلى الشارع العام
لم يعلمونا كيف نرتقي في السلم اليومي للحياة فقط بل تعلمنا أيضا سلم القيم
فالتدريس لم يكن قضية ارتقاء مهني
بل خيار حياة
لهذا أحبهم أينما كانوا
في هذه الحياة
أو في ما بعدها

 

الاثنين 18 محرم 1439 هجرية / 09 اكتوبر 2017.