بمناسبة انطلاق الحوار الاجتماعي بين الحكومة والنقابات، طرحت العديد من التعليقات في وسائل الإعلام،تساؤلات حول دور العمل النقابي ومدى صلاحيته، في ظل التطورات الحاصلة في مختلف المجتمعات، منها من سار في طريق التشكيك في هذا الدور، بل هناك من كان قاسياً جداً مع النقابات.

ومن المؤكد أن هذه التساؤلات مشروعة، من حيث المبدأ، لكن بعضها ينطلق من أحكام مسبقة أو من تعميم لتجربة معينة، يقيس عليها كل ما يهم العمل النقابي، خاصة في أجواء يغلب عليها طابع التشكيك في المؤسسات والهيئات، كمنهجية وحيدة في التفكير والتحليل.

تاريخ الحركة النقابية، في المغرب وعبر العالم، يثبت أن التعميم والاطلاقية في الأحكام منهجية غير صحيحة، لأن لكل تجربة خصوصيتها، ولأن التوجهات النقابية ليست موحدة، بل متعددة، كما هو الشأن بالنسبة للأحزاب، لذلك من غير الممكن مقاربة هذا الموضوع، دون توخي النسبية في الأحكام. غير أن ما يهمنا هنا هو الجواب عن مدى صلاحية العمل النقابي.

من الواضح أن التحولات الكبيرة التي تعيشها المجتمعات مثل تعدد التجمعات والتنسيقيات والجمعيات، والولاءات الجديدة ذات الطابع الإيديولوجي والهوياتي والإثني والقبلي والطائفي، وغيرها من العلاقات الأولية، وتوسع قطاع الخدمات والاقتصاد غير المنظم، وكذا التغييرات التي أدخلتها التكنولوجيات الحديثة على الوظائف وعلاقات العمل… كلها أعطت الانطباع بضعف العمل النقابي بل وبعدم جدواه.

غير أن الواقع يكذب هذا الانطباع، ليس في المغرب وحده، بل في العالم، حيث تتباين الظروف، فالحركة النقابية في الكثير من البلدان مازالت قوية، خاصة تلك التي تمكنت من إحداث تغييرات هيكلية على بنياتها وأساليب عملها وجددت أطرها ومقارباتها للعلاقات مع الدولة والمشغلين، حيث فهمت أن قوتها تمكن في الوعي بالتطورات وضرورة الملاءمة مع الواقع الجديد الذي يتغير بسرعة كبيرة.

ومن هنا يمكن مقاربة الوضع النقابي في المغرب، فما حصل، في أغلب النقابات الفاعلة، هو ما حصل في العديد من الأحزاب، وهو عدم إدراك التحولات الكبرى والجذرية التي تحدث في بنية الشغيلة والمقاولات والدولة، مما لم يساعد على التطور المطلوب، ويمكن القول إن التشرذم الذي عرفته الحركة النقابية، المحسوبة على اليسار، ساهم إلى حد كبير في الوضع الحالي.

غير أن هذا لا يلغي دور النقابة في المجتمع المغربي، فالعمل النقابي ضروري في كل المجتمعات، لأن الشغيلة في حاجة إلى تعديل التوازن مع الدولة والمقاولات، للدفاع عن الجماهير العاملة وعلى حقوقها وكرامتها، وهذا لا يمكن أن تعوضه أي مؤسسة أخرى.

 

الخميس 21 محرم 1439هجرية / 12 اكتوبر 2017.