عن فضيلتي الزهد التواضع

محمد المدلاوي المنبهي

 

من الأحكام الأخلاقية المتأصلة كبديهيات القولُ بفضائلية خِصلتي التواضع والزهد، اللتين هما خصلتان فرعيتان ترتدان في النهاية إلى خصلة جوهرية واحدة، اختلف لفظاها باختلاف الفرعين. فالزهد تَـخَـلٍّ عن المُتع المادية، والتواضع تخـلٍّ عن المُتَع المعنوية، كالسلطة بمختلف درجاتها، وأشكالها، ومظاهرها من مال وبينين وجاه.

غير أن هناك من يرى في الزهد بوجهيه مجردَ انعكاس انكساري لنزوعات الأنانية النرجسية، التي تشكل أساس سيكولوجية الإنسان، الذي جـُبـِل هـَـلوعا: “إذا مسـّهُ الشرُّ جَـزوعا وإذا مسّـه الخيرُ مَـنُوعا ” (قرآن كريم)؛ ذلك الكائن الذي يقول عنه فرويد بأنه محكوم بدوافع الحياة التي تكتـنـفها أصول الفناء، دوافع تـُـقيم توازنَاتها لبلوغ الغايات الأنانية عن طريق تغليب تجنـُّب الألم على تحقيق المتعة إذا ما قام تنازعٌ بين الغايتين. فالزهد إذَن وجهٌ تضادّيٌ أقصى للأنانية، باعتبار أن “الشيء إذا بلغ أقصى حده ينقلب إلى ضده”. إنه عبارة عن موقف أبيقوري من المتعتين المادية والمعنوية؛ وذلك بالمفهوم الصحيح، لا الاختزالي المتهافت للفلسفة الأبيقورية. فهي ليست دعوة إلى الانغماس الفعلي المباشر في الملاذّ؛  بالعكس: إنها دعوة إلى السعادة المتمثلة – حسب تلك الفلسفة – في استدامة التشوق إلى المتعة عن طريق تجنُّـب تحقيقها بالضبط نظرا لأن فناءها يحصل بمجرد الانتقال من التشوق إلى التحقيق، بما يترتب عن ذلك الفناء، بعد زوالها من خلال تحقيقها، من شعور بالكآبة والعبث المترتب عن اضمحلال بريق المَثـَـل المحرك للسعي الذي يعطي للحياة معنى. فالمتعة البعيدة هي المحرك الأول لسلوك الحرمان الذاتي في نهاية الأمر، باعتبار ذلك السلوك مجردَ تاكتيك عكسي ذكيّ لبلوغ الهدف الاستراتيجي. يقول نيتشه (The Gay Science):

“ماذا يفعل الزاهد؟ إنه إنه يُجاهد من أجل عالم أسمى. يريد أن يحلق أبعدَ وأعلى من أي امرئ مقدام. إنه يتخلص من كل ما من شأنه أن يثقل تحليقَـه، ولو تعلق الأمر بأعز الأغراض على نفسه. يضحّي بكل ذلك في سبيل تَوقِه إلى العـُلا. هذه التضحية وذلك التخلّي هما بالضبط كلُّ ما يظهر للعيان ويجعل الناس يسمون صاحبهما برجل الزهد. فبتلك الصفة يواجهنا الزاهد مُـدَّثـِّـرا تحت إسكيمه، كما لو أنه روحُ جلبابه الصوفي. إلا أنه جدُّ راضٍ على الانطباع الذي يخلفه لدينا. إنه يستخلص منـّا رغباتِـه وفخرَه، ويحقق من خلال تقديرنا نيتـَه في التحليق بعيدا فوق رؤوسنا. نعم، إنه أذكى مما نتصور، وهو زيادة على ذلك مهذب إزاءنا، هذا الرجل الطَـموح الطَـموع، لأن ذلك هو حقيقته في واقع الأمر، تماما مثلنا، ولو كان ذلك من خلال تخليه وزهده.”. فالتواضع والزهد، إذن، في رأي نيتشه، سعيٌ وجهادٌ نحو الرِفعة. ومن تواضع لله رفعه. والرفعة تبدأ بالمال الذي يجلب الجاه، أو بالجاه الذي يجلب المال، واجتماعهما هو السلطان؛ وتختلف تاكتيكات الاستثمار بدءا بهذا الطرف أو ذاك حسب الظروف الذاتية و/أو الموضوعية.

والتاريخ القديم والحديث حافل بأمثلة مَن بدأ بالجهاد الزهدي فاكتسب الجاه، الذي أدرّ عليه بدوره المالَ بفضل كرمِ الكرماء الذين يتوخون من كرمهم جزاء العاجلة أو الآجلة. وغالبا ما يكون قسم من هؤلاء “مكـفـّرين“، بالتقرب إلى الولي والانحناء في خشوع أمام إشعاع زهده، عن مال ليس لهم بوجه حق، وذلك ليستعيدوا توازنهم الأخلاقي، ويعدّلوا ميل ميزانيتهم الأخروية الآجلة بالحسنات اللواتي يذهبن السيئات؛ لأن “متاعا اكتسب بغير حق يستعبِد الروحَ ويحرق الدم” كما جاء في مسرحية فاوست للشاعر الألماني جوته. ولكنهم يسعون بذلك في نفس الوقت إلى تحصين مناعة أرصدتهم الدنيوية العاجلة.

أما القسم الآخر فـ”مستثمرون” جدد، يلتمسون نصيبهم من الجاه والمال والسلطان من محيط القطب الزاهد، الذي يقوم عرفيا كوسيط خيْـرٍ بين “قـُـفـَف كرم” الفريقين ومساهماتهم في مشاريع الخير والإحسان وبين أيادي “ذوي الاحتياج” ممن لا يستثمرون في إشهار التصوف كمهنة، والزهد كطبيعة. وفي هذه الطبقة الثانوية يقول صاحب نيتشه (Par-delà le bien et le mal): “ومع هذا فإن التدين يقوم كذلك كمرشد لعدد هائل من الناس الثانويين فيخول لهم إمكانيات التأهل للسيطرة والقيادة يوما ما؛ أعني بذلك تلك الطبقات والفئات الأكثر توثـّبا، والتي هي في صعود مستمر، يحركها العنفوانُ وحب قوة الإرادة باطراد. إن التدين يدفع بهؤلاء إلى السعي نحو روحانية أسمى، وإلى تجريب أحاسيس أقوى درجات التغلب على النفس، أحاسيس الصمت والوحدة. فالزهد والمجاهدة سلوكان شبه ضروريين كأسلوبين تربويين لاكتساب النبالة حينما يسعى رهطٌ من الناس إلى الانسلاخ عن أصوله في الدهماء والارتقاء بفعل مجهوده نحو السيطرة”.

 

ومن المفارقة في هذا الباب مثلا أن مظاهر التواضع والزهد مردودة أخلاقيا بشدة على تلك الفصيلة من بعض المتسولين، الميسورين أصالة أو استثمارا في التسول، ممّن يبالغون في إشهار مظاهر الضَعَة (أي أنهم يتواضعون بالقياس إلى حقيقتهم). ويقوم هذا الرد الأخلاقي لهذا الوجه من أوجه التواضع على تُهمة كون ذلك المتسول يبتز أريحية من يراه، ويتخذ من ذلك استثمارا. لكن، ما الفرق بين هذه الحالة والحالة السابقة؟ إنه مجرد الإخراج والديكور: فهذا المتسول يمدّ يده علنا، وذلك الزاهد لا يفعل، بل يتخذ لذلك إدارة قباضية عرفية. الأول في زاوية الشارع على قارعة الطريق، والآخر في خلوته أو زاويته الربانية، الخ.

ولتوضيح مفارقة هذه العلاقة الجدلية القائمة بين زهد الأولياء وجبروت السلطان، ليس هناك مرة أخرى أبلغ من كلام نيتشة في نفس الكتاب: “لقد دأب أقوى ذوي السلطان على الانحناء أمام الولي الصالح، بصفته لغزا. إنه لغز الانتصار التام للشخص على نفسه، لغز التجرد والتخلي الإرادي الكلي. لماذا يفعلون ذلك؟ أنهم يتوسمون في الولي الصالح، من خلال ما يكتنف حياته المتقشفة البئيسة من أسرار، أسمى آيات القوة التي تسعى إلى تحقيق نفسها من خلال ذلك الترويض الذاتي، أي تلك الصلابة في الإرادة التي يعرفون كيف يتوسمون فيها صميمَ قوتـهم الخاصة وحبَّهم للسيطرة. فبتكريمهم للولي، إنما يكرّمون من خلاله شيئا من ذواتهم. يضاف إلى ذلك أن رؤية الوليّ تبثّ في أنفسهم شيئا من الريبة. فلسان حالهم يقول في تساؤل: لا يمكن أن يسعى الإنسان، من دون علة، إلى تلك القمة من قمم نكران الذات، مما هو مناقض لطبائع الأمور. لا بد أن هناك علةً ما من وراء ذلك؛ ولعل في الأمر خطرا عظيما جدا، يتوفر الزاهد على تصور واضح عنه أكثر منا، بفضل الملإ الذي يزوره في السرّ. باختصار، يولـّد الولي بالنسبة لعظماء هذا العالم مصدرا جديدا من مصادر التخوف؛ إنهم يستشعرون بوادر قوة جديدة؛ إنه عدوّ غير معروف، لم يتم تروضه بعدُ. إن إرادة القوة إذن هي التي تدفع بهم إلى الانحناء أمام الولي.”

ذلك لأنه متى ما حصل الجاه بالزهد فجلب المال بفضل فضل المتبركين والمكفـّرين يحصل السلطان المعنوي، فلا يبقى حينئذ إلا إعطاؤه الإجرائية المادية؛ وهو ما يبدأ بصياغة الشعارات التي تدعو إلى الخير والصلاح ومحاربة الشر والمنكر بالقلب أولا ثم باللسان متى ما أصبح ذلك بالإمكان، في انتظار توفر شروط الإصلاح باليد، وتلك مراحل خطة التقية.

وبما أن اللغة منجم أركيولوجي لكثير من الحقائق الثقافية كما تم بيان ذلك في كتاب “مقامات في اللغات والعقليات (المدلاوي 2010)”،  نشير في النهاية إلى أن “التواضع” يفيد التصنع والافتعالٌ بحكم منطق صرف اللغة نفسها؛ فصيغة “تفاعَـلَ“، مثل “تمارضَ” و”تواضعَ”، تفيد “تظاهرَ الفاعلِ بغير حقيقة واقعه ونيته، وذلك لغاية معينة”. فالتواضع، بمقتضى منطوق الصرف اللغوي، يستلزم الكذب، كذب من هو نرجسي متعالٍ في جوهر أخلاقه، لكنه يفتعل ما ينفي به ذلك؛ أما بمقتضى مفهوم منطق القضايا العقلية، فالتواضع يفيد الادعاء، ادعاءَ من هو وضيع في جوهره بأنه رفيعٌ خلافا لما هو ظاهر للعيان. فالذي يُشهر من السلوكات ما يفيدُ منطوقَ “أنا متواضع، أنا أتواضع” يفيدُ في نفس الوقت مفهوم “أنا رفيع في جوهري، وإنما أتواضع وأتحاشى إشهار  منزلتي الحقيقية”. فالتواضع إذن، بكلا وجهَيْ ما يفيد (وجهِ الكذب و/أو  وجهِ الادعاء) قيمةٌ مناقضة للأخلاق العقلانية السامية. فهو ضُعف الكذاب من حيث الوجه الأول مما يفيد؛ وهو ينفي قيمة الجدارة من حيث الوجه الثاني؛ والحالُ أنّ مَن هو رفيع وجدير بالفعل غيرُ ملزم بأن يتبرأ من رفعته وجدارته إلا في المنظومات الأخلاقية المنحطة التي لا تعرف معنى الجدارة والاستحقاق، ناهيك عن أن تعترف بهما، إنها المجتمعات المسطحة، مجتمعات الحشود. فمشهر التواضع، كأسلوب للتواصل، يلتقي مع المتكبر (أي مشهر مظاهر علو الشأن، مع وضاعة في الجوهر) في خصلة ضعف الكذاب؛ فهما لا يختلفان إلا في كون الأول صادقا مع نفسه، من حيث إدراكُه لطبيعته الحقيقية، أي وضاعة الجوهر، واستثمارُها بالإشهار في أفق نفعي، بينما الثاني يكذب على غيره وعلى نفسه، من حيث إنه بدأبه على محاولة إقناع الآخرين بعلو شأنه ينتهي بالاقتناع بذلك قبل غيره، وإلا لما اعتبره ذلك الغير متكبـّرا أو متكابرا.

 

نص يعود الى  : (16 يوليوز 2010)