تعرضت في مقال سابق الى ان الاسلام دين الانفتاح و التطور نشر في جريدة الاتحاد الاشتراكي يوم 22/09/2017 . ابرزت من خلاله مظاهر الانفتاح و التطور لاصول الدين الحنيف و فروعه . و ارى من المفيد ان اتناول في هذا المقال جانب اساسي يدعو اليه الاسلام و يتعلق الامر بالعلاقات و المعاملات و الصفات و السلوكيات و الملات التي ينبغي  ان تحكم بين الافراد في مجتمعاتهم على اختلاف مشاربهم و مذاهبهم . و التي بها ترتبك حركة هذه المجتمعات و تتغير خطاها مما يعرضها لهزات عنيفة و تعرقلها في مسيرتها و انهيارها ،  او تسودها علاقات حميدة و تعرف السلم و الاستقرار . تستقيم معها المجتمعات و تعيش في اطمئنان و ازدهار . و تتجلى هذه العلاقات و المعاملات و السلوكيات في الاخلاق حيت يدعو الاسلام الى مكارمها و محاسنها .

هذا و قد عرفت المجتمعات البشرية عبر التاريخ مظاهر منها من انهارت بسبب سوء تلك العلاقات و غيرها و منها من عاشت حياة رغيدة بسبب الاخلاق لقول امير الشعراء أحمد شوقي:”إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا”. و لما جاء الاسلام للإنسانية جمعاء جمع ما تفرق في الامم السابقة عليه من خلال خصال كريمة و تعرض لما كان عليه الامر من قبل و وضع حدا للاخلاق السيئة في جميع الملات و المعاملات و العلاقات ..الخ . من خلاله اعز المعاني و اعلاها و هو الايمان مصداقا لقوله (ص) ” الايمان بضع وسبعون شعبة و افضلها قوله لا اله الا الله و ادناها اماطة الادى عن الطريق ” . الحياء شعبة من الايمان و عنه قال ايضا (ص) ” اكمل المؤمنين ايمانا احسنهم خلقا ” و لقد جاء الاسلام بمكارم الاخلاق و محامد الصفات و اعتنى بغرسها في نفوس اتباعه و على رأسهم السلف الصالح . و قدم اليهم قدوتهم و اسوتهم بالرسول (ص) حيت اتنى عليه الله سبحانه في الاية 3 من سورة القلم بقوله تعالى (( و انك لعلى خلق عظيم )) اما اخلاقه (ص) فهو القران حسب ما روى عن زوجته ام المؤمنين عائشة بنت ابي بكر . و ما احوج الامة الاسلامية بالأساس الى مكارم الاخلاق في هذا الزمن الذي تعاني فيه من ازمة اخلاقية شديدة بل الانسانية جمعاء . و هي ازمة شديدة ازدادت استفحالا في المجتمعات الاسلامية و غير الاسلامية و ما ترتب عنها من فقدان الثقة في المعاملات بين الناس و عدم المصداقية في السياسة و مؤسسات الدول حيت اختفت الاخلاق التي جاء بها الاسلام .و اصبح الوضع في الامة الاسلامية مترديا كما هو الشأن بالوضع في المجتمعات الغير الاسلامية و اصبح معها الانسان يعاني من ازمات نفسية و ازدادت في الامم اضطرابات و اندلاع التوتر في مختلف بقعه لا يعرف الامن و لا الاستقرار نتيجة الارهاب الذي يشكل تحديا خطيرا للعالم .

اما بالنسبة للمسلمين فهم اول من يحتاج في الظرف الراهن الى التحلي بأخلاق رسولنا المصطفى (ص) كما كان عليه السلف الصالح و اقتداء ابه حيت امرنا الله سبحانه بقوله في الاية 4 من سورة الاحزاب بقوله (( لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الاخر و ذكر الله كثيرا )) . و و في هذا الصدد فإننا كمسلمين في حاجة الى ان نشهد للإسلام شهادة عملية باخلاقنا .و سلوكاتنا كما شهدنا له من قبل شهادة قولية .

ان الاسلام دعوة اخلاقية مؤسسة على حسن الخلق ، و حسن الخلق هو الامر الذي يقوم عليه الاسلام بل هو الاسلام و لذا قال الرسول (ص) ” انما بعتت لاتمم مكارم الاخلاق .” و حسن الخلق يجمع لنا جميع الاقوال و الافعال التي جاء بها (ص) . و لما سأل النواسي بن سمعان النبي (ص) قال له ” البر حسن الخلق و الاتم ما حاك في صدرك و كرهت ان يطلع عليه الناس ” . و البر فقد عرفه الله سبحانه انه الاتيان بكل هذه الاعتقادات و المعاملات المأمور بها .

و اذا جمعت بين الاية القرآنية (( ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب ..الخ )) و قول الرسول (ص)      ( البر حسن الخلق ) علمنا انه حسن الخلق له مفهوم واسع و شامل مما نظن . و هكذا فان حسن الخلق يشمل حسن الخلق مع الله و حسن الخلق مع الرسول و حسن الخلق مع الناس . اما بالنسبة للخلق مع الله و  الرسول فهو اتباع ما جاء عنهما من اوامر و واجبات و اجتناب ما نهوا عنه . اما الخلق مع الناس فذلك ان تكون طليق الوجه رحيما متسامحا لينا في دعوتك مع البار و الفاجر و تكن بغير مداهنة. و في شأن الليونة جاء في القران ان الله لما بعت موسى و هارون الى دعوة فرعون للتوحيد قال سبحانه ( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر او يخشى ) و حسن الخلق مع الناس ايضا هو عدم ادائهم لا بلسانه و لا بجوارحه و بدل الندى و معنى الندى بدل العطاب من مال و علم و جاه و غير ذلك و طلاقة الوجه كما سبق ذكره ، اي ان يلاقي الناس بوجه منشرح ليس بعبوس و لا مضجر .

كان الرسول  (ص) اذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده و لا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه و لم ير مقدما ركبتيه بين رجلين له . و كان الامين يحض الامة على حسن الخلق قال ابو دار عن الرسول (ص) ( اتق الله حيت ما كنت و اتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ) و قال ايضا ( اتقل شيء في الميزان الخلق الحسن ) تم ( اتقل شيء في ميزان المؤمن خلق حسن  ) ان الله يبغض المتفحش اليه و احب الله احسنهم خلقا .

و هناك احاديث كثيرة في شأن مكارم الاخلاق و اورد هذا الحديث لما له من اهمية قوله ( ص ) ( ان من احبكم الي و اقربكم مني مجلسا يوم القيامة احسنكم اخلاقا و ان ابغضكم الي و ابعدكم مني الثرثارون و المتشدقون و المتقهقهون قالوا يا رسول الله ما المتكبرون )  . و اشار رسول الله (ص) ان من اكثر ما يدخل الجنة فقال تقوى الله و حسن الخلق . وسأل عن اكثر ما يدخل الناس النار فقال ( الفرج و القبح ) و نظرا لكون الموضوع يحتاج الى كتاب و مؤلفات و من يرغب في التوسع عليه  الرجوع الى كتاب خلق السلف لمحمود المصري . و يتضح من خلاله ايضا ان خلق السلف الصالح هو ما اشار اليه الرسول (ص) و هم الذين تربوا في مدرسته و ساروا على نهجه و اضاف المصري عدة اعمال تدخل في الاخلاق و الجنة و يتعلق الامر مثلا بالإخلاص و الصدق و التواضع و العتق و العدل و الكرم و الحياء و الزهد و الورع ..الخ .

اما ما يخالف الخلق الحسن و الطاعة هي المعاصي – مصداقا لقوله (ص) ( ان العبد اذا اخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة سوداء فان هو نزع و استغفر و تاب صقل عليه و اذا اعيد فزاد فيها حتى تعلو على قلبه فهو بل الذي ذكره الله في سورة المصففين  ((كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)) و يبدو مما ذكر ان حسن الخلق ملازم للإيمان . لذلك فقد اتفق الفقهاء قديما و حديتا و من مختلف المذاهب . ( ان الايمان يزداد و ينقص ، يزداد بالطاعات و ينقص بالمعاصي ) .

و اعتقد انه كان من واجب الحكام في الامة الاسلامية و الساسة و العلماء ان يكونوا اول من يقتدى باخلاق السلف ليكونوا عبرة للاجيال المقبلة . و على سبيل المثال كان الزعيم الاتحادي المرحوم عبد الرحيم بوعبيد يردد السياسة اخلاق حيت يبدو انه استوعب ما يجب ان تكون عليه السياسة في المغرب و المراد بقوله حسب اعتقادي انه الثبات على مبدأ الصدق ، القول و الاخلاص و العمل . و قد دافع عن مبدئه طيلة حياته كما واصل الحزب الدفاع عن تخليق المشهد السياسي ، و مما لاشك فيه ان ما وصل اليه المشهد السياسي في البلاد هو قول اولئك الذين ابخسوا السياسة . و يطلق عليهم رموز الازمة و قوى الجمود و عناصر الافساد و يعتقدون ان السياسة ليس فيها اخلاق . لذا فلا يمكن للسياسة ان تسترجع مصداقيتها إلا بالتخلص من القوى الثالثة و رموز الازمة و عناصر الافساد و قوى الجمود . يخادعون الله و رسوله و الله خادعهم و لا يحيق المكر السيئ الا باهله و لو يعلم الله فيهم خيرا لأسمعهم و لو اسمعوا لولوا معرضين .

و بخصوص اخلاق النبي (ص) و التي اثنى عليه الله سبحانه في شأنها بقوله تعالى في الاية 4 من سورة القلم و ذلك بقوله (( انك لعلى خلق عظيم )) . فقد اجمع مفسري القران على ان هذا الوصف المتعلق بأخلاق الرسول (ص) كل واحد حسب فهمه لتفسير القران . إلا انها تفضي كلها الى معنى واحد و هكذا جاء في مختصر تفسير الطبري بقوله ( و انك لعلى خلق عظيم ) انه (ص) لعلى اداب عظيم و هو ادب القران الذي ادبه الله به من الاسلام و شرائعه . و كذلك ابن كثير في الجزء الرابع من تفسير القران العظيم جاء فيه قال ابن عباس ( انك لعلى دين عظيم و هو الاسلام ) و كذلك قال مجاهد و ابو مالك و الضحاك و غيرهم اشار اليهم ابن كثير في تفسيره المشار اليه . و جاء عنهم في نفس التفسير ان عدد من الرواة اشار اليهم بدورهم و هم كثر حيث جاء عنهم انهم كلما سالوا عائشة رواية الرسول (ص) عن خلقه و يكون جوابها للجميع تقرؤون القران (( و انك لعلى خلق عظيم )) و تضيف عائشة انه خلقة القران . و المراد بخلقه القران و معنى هذا انه عليه الصلاة و السلام صار امتثالا  امرا و نهيا بحبه له و طبعه الجبلي و مهما امره القران فعله و مهما نهاه عنه تركه . هذا مع ما اتاه الله من الخلق العظيم من الحياء و الكرم و الشجاعة  والعلم و كل خلق جميل كما تبين في الصحيحين . و هو ما جاء ايضا عن البراء حيت يقول (( كان الرسول (ص) احسن الناس و احسن الناس خلقا ليس بالطول و لا بالقصير . لم يسبق له قط ان قال لأحد او غير اف و لم يضرب قط احدا و لا ينتقم الا ان يجاهد في سبيل الله كلما مست  حرماته و ما غير شيئين قط الا ان كان احبهما اليه ايسرهما . و الجدير بالذكر انه يجمع صفاء الاخلاق الحميدة كان اول خلق الله بها  و هي كثيرة لا يتسع المجال لسردها .

إلا ان بعضها اشار اليها محمد علي الصابوني في الجزء الثاني من تفسيره صفوة التفاسير ، و قال في تفسير الاية (( و انك لعلى خلق عظيم )) اي و انك يا محمد لعلى ادب رفيع جم و خلق فاضل كريم فقد جمع فيك الله الفضائل و الكمالات . لم يدرك شأنه بشر فرب العزة جل و على يصف محمد بالوصف الجليل . و كان من خلقه (ص) العلم و الحلم و شدة الحياء و كثرة العبادة و السخاء و الصبر و الشكر و التواضع و الزهد و الرحمة و الشفقة و حسن المعاشرة و الادب الى غير ذلك . و هذه الاخلاق التي يتصف بها هي التي يدعو اليها القران لبناء الامة الكونية على القيم كي لا تذوب الحقوق في مصالح الفئات و الدول و الاقاليم و هي اجابة تقلل من فساد الانسان . و لهذا ايضا نزلت الرسالة المحمدية للبشر كافة و اصبح الدين الاسلامي الدين الوحيد الذي يجب اتباعه لقوله تعالى في ال عمران (( و من يبتغي غير الاسلام دينا فلن يقبل منه )) .و لم يعد تحويل الاديان الى اديان جهوية او اقلية بالحمولات الثقافية شعب او ثقافة مجددة  هو الفساد الذي وقعت فيه البشرية في الظرف الراهن و الدليل على ذلك ما يجري في بورما و ميانمار حاليا في ابادة المسلمين بأساليب لا انسانية و لا يستطيع المنتظم الدولي و بالأخص العالم الاسلامي القضاء على هذه الجرائم الشنعاء ضد المسلمين و الحد منها في مختلف بقع العالم كما هو الشأن بالنسبة للشعب الفلسطيني الذي استمر ال صهيون في ابادته و الله غالب على امره . و اذا كان الدين الاسلامي الدين الوحيد الذي لا دين بعد او مثله ، فان القران كلام الله المنزل على رسوله فهو خطاب للبشرية كلها . و ان كان خطابا موجها للنبي (ص) اولا فهو خطاب لكل احد الا ان اكثر الناس لا يعلمون . لهذا فإذا كان العالم يعيش ازمة اخلاقية فكان مصدرها الجهل و الغفلة ، بذلك فان الامة الاسلامية تحتاج في وقتنا الراهن الاعتصام بالله و يقتدى ابناؤها بأخلاق النبي محمد (ص) و ابراهيم اب الانبياء و الرسل كلهم مصداقا لقوله تعالى في سورة الانعام ((أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتديه  )) .

و تجدر الاشارة  الى ان اول ما اوجب الله على الرسول و على المؤمنين هو اقرأ باسم ربك الذي خلق  و هي اول سورة نزلت في القران و اخر ما نزل منه و ختم القران و انقطع الوحي هي الاية التي جائت بعد تحريم الربا و يتعلق الامر بالآية 281 من سورة البقرة (( َاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ )) .

اما بالنسبة لشيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله فقد جاء عنه حول سورة (( ن و القلم )) انها سورة الخلق الذي هو جماع الدين الذي بعث به محمد (ص) .

و “ن” هو قسم من الله بالقلم و ما يسطرون . فان القلم به يكون الكتاب الساطر الكلام المتضمن للأمر و النهي و الارادة و العلم المحيط بكل شيء .

فالأقسام وقع بقلم التقدير و مسطوره فتتضمن امرين عظيمين تناسب المقسم عليه .

احدهما الاعلام بالحوادث قبل كونها و ان من علم بالشيء قبل كونها ابلغ من علمه بعد كونه فإخباره عنه احكم و اصدق و ثانيهما ان حصوله في الكتابة و التقدير يتضمن حصوله في الكلام و القول و العلم من غير عكس .

و المقسم عليه ثلاث جمل وردت في سورة القلم و يتعلق الامر ب :

” ما انت بنعمة ربك بمجنون “

” و ان لك لأجر غير ممنون “

” و انك لعلى خلق عظيم “

و هكذا ظلت تلك الاخلاق الكريمة تتوارثها الاجيال حتى وصلت الينا على صفحات الكتب . و من تم ازدادت حاجتنا اليها بعدما عرفت الاخلاق ازمة شديدة . و من واجب المسلمين ان يعايشوا معها بقلوبهم و يجسدونها بواقع عملي متطور يراه الناس من حولهم فيعرفوا اخلاق الاسلام من خلال اخلاق المسلمين .

 

الجمعة 22 محرم 1439 هجرية / 13 اكتوبر2017.