فتح قوس حول مصطلح “الكُـفْـؤُقراطية”

فليُسمَّ “كُـفؤقراطية” (من ‘كفاءة’)، أو فليُسمَّ “جَـداروقراطية” أو “جَدِيروقراطية” (من ‘جدارة’ أو ‘جدير’)، يَظل المقصود بواحد من هذه الألفاظ (حسب ما يستسيغه الذوق اللغوي) هو سيادة مبدإ إسناد الصلاحية المعيّنة، أو المهمة المعيّنة، في القطاع المعيّن، لمن أثبت ويثبت كفاءته وجدارته بما أسند إليه، إثباتا موضوعيا بالمقاييس الصورية المعتمدة في القطاع المعني؛ أي سيادة ذلك المبدإ كقيمة من القيم العليا في الإخلاق والسياسية والتدبير سيادة مُفعّلة تفعيلا على أرض الواقع في مجتمع معين.

إنه، باختصار، ما يُعبَّر عنه، في لغة أخرى مثل الفرنسية، بـكلمة Méritocratie، التي تعني، من حيث اشتقاقها ككلمة مركبة: “سيادة الجدارة” أو “سيادة الاستحقاق”. فهذه القيمة، كقيمة عليا لا يُعلى عليها، إذ هي تنفي – بمقتضى مفهومها – المشروعيةَ عن أيّ أهلية أخرى مبنيّة على مختلف مُسلـّـمات الانتماءات القَـبْـلية للأفراد أو على مجرد الاعتباط والتحكّم العبثي (arbitraire)، فهي القيمة التي تحدّد وتدقق مفهوم “الديموقراطية” (أي “سيادة الشعب”) تحديدا عقلانيا متماسكا من حيثُ المقاصد والغايات وبعيدا عن الشعارات؛ وذلك من حيث إنها تميّز المفهوم العقلاني النبيل لـ”الديموقراطية” عن فهمها الشعبوي، الديماغوجية (démagogie) أو “الدهماغوجية” (بمعنى: “زعامة الدهماء”)، أي ما يسمّى اليوم بـ”الشعبوية” (populisme). وقد أوجز الشاعر الحكيم تلك المعادلة وذلك التمييز في قوله:

لا يسودُ الناسُ فوضىً، لا سَراةَ لــهم  **  ولا سَراةَ إذا جُـهّالهم ســــادوا

(/السَراةُ/ = “القادة”)

المغزى العام لنص المقال

إن سيادة ثقافة الاعتراف الاجتماعي بالكفاءة والجدارة اعترافا ينعكس على صعيد السياسة والتدبير، أيْ ما تمّ التعبير عنه أعلاه بـ”الكفؤقراطية” كقيمة عليا مُفعَّـلة، لهُوَ المحرّك الوحيد الممكن لعجلة التقدم في المجتمعات التي تدور فيها عجلة التاريخ في ذلك الاتجاه. وبالنسبة للمجتمعات التي لا تدور فيها عجلة الفكر في ذلك الاتجاه، أي المجتمعات التي لا تمثل “الكفؤقراطية” في فكرها قيمة عليا في العلم والإخلاق والسياسية، ليس هناك ما يقال هُنا في هذا المقال (المجتمعات التي يسود فيها فكرٌ يَعتبِر الرياضياتِ والمنطقَ آفتين من الآفات مثلا؛ انظر هــنــا). أما بالنسبة للمجتمعات المتشبعة بتلك القيمة أو التي تراود تلك القيمةُ فكرَها على الأقل، فإن القناعة والطموح الجمعيين وحدهما لا يكفيان؛ إذ لا بد من توفر عُدة معرفية وذكائية مُحيطة بمعطيات الواقع الذاتي والموضوعي من أجل تنزيل وتفعيل ناجعين لتلك القيمة؛ وهذا ما يتناوله النصُّ الآتي في ما يتعلق بـ”الكفؤقراطية” في حقل التكوين والبحث العلمي بالمغرب.

نادرة بليغة وذات دلالة من نوادر قضايا الساعة

في يوم الإثنين 14 من سبتمبر الجاري (2015)، أي في ظل أجواء الذكري الرابعة عشرة لواقعة 11 سبتمر 2001 الإرهابية بالولايات المتحدة الأمريكية، شُدِه أستاذٌ بإحدى المدارس الأمريكية بما اصطحبه معه تلميذ في سن المراهقة إلى القسم ليعرضه كابتكار ومشروع تطوير. إنه جهاز غريب على شكل حقيبة تتشابك فيها أسلاك التوصيل، هو في الواقع عبارة عن ساعة إليكترونية ضخمة كان التلميذ المراهق، أحمد محمد، السوداني الأصل، قد قام بابتكارها في منزله، وأراد أن يعرضها في حصة الفيزياء الإليكترونية بمدرسته. وإذ رنّت الساعة خلال الحصّة، فقد ساور الشكُّ والريبةُ ذلك الأستاذ، في ظل أجواء استحضار الرعب في الذكرى المذكورة، وذلك بما يناظر ما كان يُحكى عن شارلمان مع ساعة هارون الرشيد؛ فما كان من الأستاذ إلا أن أشعر المصالح الأمنية، التي هرعت على التوّ إلى المكان فاقتادت التلميذ المراهق إلى حيث تمّ استنطقته على خلفيات الاشتباه في احتمال إعداده لصنع قنبلة لأهداف إرهابية. يومان فقط بعد الحدث الذي لا يخرج، من حيث الشكل، عما تحفل به الصحافة الأمريكية في باب “المختلفات” (Faits divers) أو “الفضوليات” (Curiosités) أو “الإثاريات” (Sensationnel)، وبعد أن اتضح طابع الهلع “السايكوزي” المحض لرد فعل الأستاذ، مع ما ترتب عن ذلك الاتضاح من هبوب المجتمع المدني هبة جماعية عبر الشبكات الاجتماعية إلى التنويه بالروح الابتكارية للتلميذ وإلى التضامن معه وشجب بعض خلفيات ذلك الهلع السايكوزي الجماعي (psychose collective) لدى الأستاذ والبوليس، مما له مع ذلك في حد ذاته ما يبرّره في إطار يقظة المواطنة، كان رئيس الولايات المتحدة، باراك أوباما بنفسه، هو من دخل على الخط شخصيا في هذه النازلة ليعطيها بعدا آخر ويذكّر من خلال التعامل معها بقيمة عليا من قيم المجتمع الأمريكية. فلقد دعا رئيس القوة الأولى في العالم التلميذ أحمد محمد، السوداني الأصل، إلى زيارته في البيت الأبيض وعرض ابتكاره هناك. لقد وضع الرئيس على التو في حسابه الخاص بشبكة الفايسبوك تدوينةً تقول:

“يا لها من ساعة جميلة يا أحمد! هل لك أن تأتي بها إلى البيت الأبيض؟ فمن واجبنا أن نُـلهم مزيدا من الأطفال من أمثالك لكي يحبّوا العلوم. فمحبّة العلوم هي ما جعل من أمريكا أمّة عظيمة” (انظر Ici)

حينما يتعلق الأمر بشؤون المدرسة والتكوين والعلم، لا محل بعد ذلك لاعتبار الأمور من باب “المختلفات”. إنه ما يسمى بالحس الجمعي السليم العام لدى مجتمع من المجتمعات الحديثة، الذي يمكّن المجتمعَ في مجمله من رصد الكفاءة والجدارة أنّى كانت وفي أيّ مستوى كان، ومِن الاعتراف بها قصد تنميّتها واستثمارها: فحيثما ومتى ما حصل أن يكون مكوِّن من مكوّنات مثل تلك المجتمعات، أو مؤسسةً من مؤسساتها قد زيّف المعطيات أو أخطأ في التقدير بشأنها في قطاع معيّن، وعلى مستوى من المستويات مهما كان، تكون هناك دائما مكوّنات وهيئات ومستويات استئنافية تصحيحية أخرى لكشف التزييف و/أو لتصحيح سوء التقدير. وبعبارة أخرى أكثر تخصيصا، فإن النادرة الأخيرة المذكورة تبيّن لنا كيف أنه متى ما حصل أن تُعطـَـل قيمةُ الكفؤقراطية الفكرية أو المهنية على مستوى حلقة من حلقات شبكة مجتمع من المجتمعات التي تدور عجلتها في اتجاه التاريخ، تقوم مؤسسات الدولة برد الاعتبار إلى تلك القيمة بقوة رمزية تسمو – من حيث جوهر مقصِديّتها – على عينيّة نازلة من النوازل في حد ذاتها. وحيثما يحصل أن النظام السوسيو-اقتصادي للدولة نفسِها يُخل بقيمة الاستحقاق في قطاع من القطاعات (الإنفاق العمومي في التعليم أو الصحة أو الفنون والآداب مثلا بالولايات المتحدة)، فإن قيم أنظمةٍ سوسيو-ثقافية وسوسيو-اقتصادية أخرى تقوم بضمان الموازنة والمعادلة؛ وذلك من قبيل تقاليد التباري المعنوي للخواصّ، أفرادا ومقاولات، في باب رعاية للعلم والفنون (mécénat) وتقاليد الإحسان المتجرّد المقصود لذاته (philanthropie) ممّا تقوم الدولة نفسُها، من جهة أخرى، بتشجيعه من خلال سياساتها الضريبية. وآخر نموذج من هذا القبيل الأخير مما تناولته الصحافة العالمية في تواز زمني مع قصة الرئيس الأمريكي مع التلميذ المبتكر، هو قصة الميلياردير الأمريكي، جيم سيمونس (Jim Simons) مع مدرسي ولاية نيويورك، الذين اعتبر ذلك الملياردير الذي هو من طينة أخلاقية أخرى (تُذكّر بشخصيات أمثال سهل بن هارون أو الفضل بن الربيع في سالف الأزمان) أن أجورهم العمومية دون المستوى بالقياس إلى ما يقومون به، والذين قرّرت مؤسسة ذلك الملياردير المسمّاة Math for America (“الرياضيات لكل أمريكا”) بالتعهّد بأجورٍ تكميلية لفائدتهم بما قدره حوالي ألف دولار تكميلي شهريا للفرد. فبعد أن قام بذلك لصالح 800 مدرس، يزمع جوون سيمونس “على أن يطوّر نظاما أوسعَ للدعم يمكّن جميع مدرسي المواد العلمية في ولاية نيويورك من الاستفادة من تلك الإتاوة، أي حوالي 10.000 فرد” (انظر Ici).

عن التربية والتكوين والبحث العلمي بصفة عامة

إن النشاط العلمي هو النشاط السوسيو-اقتصادي الأساس الذي يُنتج القيمة المضافة الكلية الأولى التي عنها تتفرع، في المدى البعيد، سائر القيم المضافة الملموسة في جميع قطاعات المجتمع (الاقتصاد، الإدارة، العمران، التوازنات الاجتماعية، الخ. أي السياسة بصفة عامة). وبالتالي، فإن فالمدرسة والمختبرات وشُعب الجامعة ومراكز البحث هي التي تشكل مكونات الجهاز العصبي المركزي لكل مجتمع حيويّ حديث من مجتمعات المعرفة ولكل مجتمع يطمح إلى أن يصبح كذلك كمجتمع ناشئ على أسس صلبة لا تنبني على مجرّد ما هو ظرفي أو طارئ عارض (خيرات باطنية، تحول مراكز الاسواق المختلفة بسبب حرب من الحروب)، ولا تتأثر بذلك على المدى البعيد. فمن هناك تستمد اليوم استراتيجية التكوين والبحث العلمي، وسياستهما، وتخطيطهما، وتدبيرهما، وتحصينهما من التخريب، أهميتها الكبرى الحاسمة، باعتبارها أهمية ذات طبيعة استراتيجية من المستوى العالي (انظر Ici بالعربية.. و Ici بالفرنسية).

 

ثقافة الاعتراف في باب البحث العلمي في المغرب

في ما له علاقة بقيمة الاعتراف المعنوي بالكفاءة والجدارة – وهو أمر لا يستهان به كقيمة أخلاقية عُليا تكون لها انعكاسات مادية ملموسة حاسمة – من قبيل ذلك الاعتراف الذي ترمز إليه القصة الرمزية المذكورة والدالة وذات التمثيلية في بابها بالمجتمع الأمريكي، أي قصة الرئيس باراك أوباما مع التلميذ أحمد محمد، يتعين القول بأن الأمور ليست سويّة ولا بسيطة سهلة في بلد أخر مثل المغرب. ففي هذا البلد، لا تشتغل مؤسسات تقويم الكفاءة والجدارة بما يكفي من النجاعة في حقول العلوم والبحث العلمي، وذلك على جميع المستويات (من المختبر، إلى الشعبة، إلى المؤسسة الجامعية أو مراكز البحث، وإلى مؤسسات التقويم والاعتماد). والسبب في ذلك، بكل بساطة – إضافة إلى جوانب أخرى أخلاقية وديونطولوجية – هو أن مختلف النصوص الإدارية لمساطر التقويم المستحدثة لا تواكبها في الأذهان (ودعك عن أرض الواقع على مستوى تدبير شؤون التربية والتكوين والبحث العلمي) معرفةٌ علمية صورية مشتركة بالمنهجيّات المتطوّرة الحديثة لتقويم البحث العلمي (تقويم مشاريع إنشاء وحدة بحث، أو مشاريع بحث، أو مشاريع نشر، الخ.) على أساس المعايير والمقاييس العالمية المعتمدة في الباب (انظر Ici).

هذا في حين أنه، وبالمقابل، ما فتئت ثقافة ما يمكن تسميته، بدون مبالغة، بـ”الدجل الأكاديمي” تتحوّل في هذا البلد منذ أكثر من عقد من الزمن من آفة فردية كلاسيكية إلى حركة جماعية منظمة وممنهجة تنخر جسم بعض أوساط التربية والتكوين والبحث العلمي في هذا البلد، أي المغرب. هذا الدجل “الأكاديمي” و”العلمي”، الذي بمقتضاه يصبح “الحدث/النشاط الثقافي” المدعوم بصداه في وسائل الإعلام المتهافتة، قائما مقامَ مؤسسات التقويم العلمي، هو دجل يتخذ مظهرين اثنين ويتمّ على مستويين غالبا ما يتكاملان:

(أ) مظهر خصوصي فردي، يتمثل في اختلاق النجومية العلمية أو المهنية (تكريم ‘س’ هنا وهناك؛ أحسن ‘ص’ للسنة) بفضل مشايعة بطانات زبونية يتم إنشاؤها وتعهّدها بأساليب تختلف حسب القطاعات (من بينها نظام الإشراف الأكاديمي المترهل في الجامعات مثلا) أو بمفعول خدمات مؤدّى عنها لدى وكالات متخصصة في هذه الصناعة النجومية داخل الوطن أو خارجه (انظر مثالا Ici). ومن بين وسائل تسهيل تشغيل هذه الصناعة في باب البحث العلمي، ليس هناك فقط أسلوبُ “الإسهال العلمي” الذي يتم عن طريق السرقة والانتحال الكلاسيكيين. لقد ظهرت صناعة سوفيستيكية جديدة هائلة مما أصبح يعرف بـ”النشر العلمي الإليكتروني” (Electronic publishing ) التي بلغت أوجهها التحريفية من الاستفحال عبر العالم ما عجّل بظهور خطة أمنية علمية جديدة مما يمكن تسميته بـ”خُطة الاستعلام الأكاديمي” (على غرار “الاستعلام الاقتصادي”) لمقاومة تلك التحريفيات (انظر Ici)؛ وهي الخطة التي يبدو أن المغرب ما يزال لم يتنبه إلى ضرورتها عكس ما بدأ يظهر في الأردن أو في مصر مثلا (انظر Ici).

(ب) مظهر تنظيمي جماعي منهجي يعلو في استراتيجية غاياته على المطامح الميغالومانية للفرد المنخرط فيه وعلى مصالحه الشخصية الضيقة الصغيرة، وإن كان هذا المظهر الثاني يسخر تلك المطامح الميغالومانية وتلك المصالح الصغرى التافهة، حيثما وجدت، لفائدة مراميه الأيديولوجية العليا ذات الأبعاد الكونية (انظر Ici)، وذلك عن طريق صنع النجومية العلمية الصاخبة لمروجي تلك الأيديولوجية، قصد الدفع بهم إلى الواجهات والتمكين لهم في المؤسسات.

ويبدو اليوم أن هذا الأسلوب المبتدع (خصوصا في وجهه ‘ب’) من أساليب التقويم الأكاديمي والعلمي، قد أثبت نجاعته وبدأ يؤتي أكله في المغرب لصالح الأفراد والجماعات التي تمارسه لفائدة عناصرها بمنهجية وثبات منذ سنوات. أفلم يتمّ الإفلاح مؤخرا – على سبيل المثال فقط، وعلى إثر سلسلة من الأنشطة الكرنفالية التي سبق أن تمّت إقامتها حول أحد المنتمين إلى الوسط الأكاديمي – إفلاحا كاملا في تسريب ملف هذا الأكاديمي الواعظ والمبشّر ببدعة منهج “الإعجاز العلمي في القرآن والسنة” كمنهج “تربوي أكاديمي في تلقين العلوم” تسريبا ناجحا إلى لائحة أعلى التقديرات المعنوية الرسمية للدولة المغربية، ممّا كرس في النهاية ذلك الشخص تكريسا رسميا كنموذج للكفاءة والجدارة العلمية الأكاديمية على المستوى الوطني؟

من التقويم العلمي إلى الدجل الأكاديمي

أكيد أنْ ليست معطياتُ المرجعيات المعتمدة عالميا في باب التقويم المعيار والتي تقيس “مؤشر الوقْع العلمي” (Indice d’Impact Scientifique) لأعمال البحث المعيّنة بناء على حساب عدد الاستشهادات العلمية بتلك الأعمال (Citations Scientifiques) في المجلات والدوريات العلمية المصنفة دوليا وبشكل دوري على سُلم الجودة العلمية (Revues indexées) كما تُصنّف الجامعات ودور النشر، كلا حسب مقاييس معلومة؛ وهي دوريات محصورة العدد لا يتجاوز عددها أصابع اليد في الفرع المعين من علم من العلوم على المستوى العالمي. أكيد أن ليست معطياتُ مرجعياتٍ من قبيل Journal Citations Reports, Scopus, PubMed, Science Direct, Google Scholar, etc هي المعطيات التي اعتُمدت في ترشيح الشخص المذكور لما رُشّح له – وهو الذي لا تمثل حالته هنا سوى مثال – أي ترشيحِه لِـما تمّ وسمُه به من خلال توشيح رسمي له كرمز وقدوة للكفاءة والجدارة في قطاع بكامله على المستوى الوطني  هو قطاع البحث العلمي. إنها المرجعيات التي من المفترض أن تعتمدها الهيئات والمؤسسات الوطنية القائمة في قطاع التكوين والبحث العلمي باعتبارها هيئات ومؤسسات تدبير وتقويم واعتماد، والتي هي وحدها من يحق لها القيامُ بترشيحات من هذا القبيل المذكور اعتمادا على معطيات المرجعيات المشار إليها؛ وذلك ما عدا إذا ما تمّ في الواقع تجاوزُ تلك الهيئات والمؤسسات الوطنية أو اختراقها، أي ما يعني في كلتا الحالتين تعطيل وظائفها ونسفها من الأساس على شكل سحبٍ للثقة منها كمؤسسات، ورفعٍ للمصداقية عن أحكامها في التدبير والتقويم والاعتماد.

كلّا إذن، بل إنها مجردُ بعض وسائل الإعلام الوطنية، التي تقوم بترجيع أصداء أنشطة التكريمات الكرنفالية من جميع الأحجام وبجميع أشكال الإخراج، هي مَـن أدلت، من خلال نقل بعضها عن بعض، بـ”شهادات استحقاق” تنصّ، في تكرار هنا وهناك ،على أن هذا الباحث الأكاديمي المبشِّر بالبدعة المنهجية المشار إليها في باب البحث العلمي وتلقين العلوم، قد نشر “أكثر من 200 مقال علمي و 8 براءات” في ظرف عشر سنوات؛ أي بمعدل مقال علمي في كل أسبوعين ونصف، وبراءة ابتكار كل 15 شهرا (!!!)، وذلك في حقل كيمياء تآكل المواد؛ وهي كلفة تحريرية تصعب حتى على كتّاب الأعمدة الصحفية (chroniqueurs). ومع ذلك، فإن هذا الاحتمال الأخير (أي اعتماد طرف معين على أصداء الصحافة في تسريب ترشيحات مشبوهة) لا يعفي البتّة هيئاتِ التقويم الوطنية مِن واجب فِعل ما يتعيّن فعله من أجل رد أمور التقويم في الميدان الأكاديمي إلى نصابها حرصا على مصداقية تلك الهيئات في قطاع استرتيجي منزّه عن العبث والأهواء، بما أن الأمر لا يتعلق بنوع من أنواع “سْطار أكاديمي” يُعتمد فيه على انبهار الجمهور وحماس تصفيقاته ونصيّاته.

بعض الأساليب الجديدة في باب الدجل الأكاديمي

أساليب ومظاهر الدجل الأكاديمي متنوعة ومتكاملة، منها ما يتعلق بمدى دقة وتماسك نص الخطاب والتزامه بأسس ومفاهيم ومصطلحات ومراجع العلم المعيّن (انظر هـــنــا)، ومنها ما يتعلق بوسائل وحوامل ترويج خطاب ذلك الدجل الأكاديمي. أما في ما يخص هذا الوجه الأخير، فإن الأمر يتعلق بالنسبة للحالة التي لم تُسَق هنا إلا كمثال، بشخص راسخ في شبكة ما يسمى اليوم بـ”النشر الإليكتروني” (Electronic publishing)، تلك السوق السوداء الجديدة لتهريب وترويج المزيّفات (contrefaçon) في باب النشر العلمي.

فبعد أن نشر ذلك الشخص بكثافة إسهالية، في مختلف زوايا وثنايا نسيج ما يمسى بـ”النشر الإليكتروني” من نوع ما يسمي بــ”الدخول المفتوح” (Open Access) الذي يعجّ بمئات ما اصطـُلح اليوم أيضا على تسميته بـ”المجلات العلمية المزيفة” (Fake Scientific Journals) في جميع الحقول العلمية، بما فيها علوم الكيمياء والفيزياء والرياضيات والطب والصيدلة واللسانيات وغير ذلك (انظر لائحة غير مستقصية Ici)، انتهى هذا الأكاديمي في النهاية بتأسيس “مجلة للنشر العلمي اللإلكتروني” من نوع “الدخول المفتوح” خاصّة به باعتباره مديرا لها؛ ثم انبرى مندئذ يؤشّر بالقبول للنشر، وبمجرد نقرة فأرة (clic) على كل ما يكون قد رمي به إليه روّاد تلك الفضاءات من مُحبي اختصار المسافات بأساليب تعزيمات “تطويّة الأرض” في مشاويرهم التكوينية و/أو المهنية، أي في بحثهم عمّا ينفخون به بطون ملفات تحضير شهاداتهم وترقياتهم المهنية في البلدان التي لا تتوفر على أنظمة ناجعة وفعالة للتقويم الأكاديمي. كما لا يتردد مدير تلك “المجلة العلمية”، بطبيعة الحال، في الإلقاء في جوفها، كما يُلقـَى في كيس من الأكياس، وبمجرد نقرة حاسوبية مرة أخرى، بكل ما يكون قد حبّره، لنفس الغايات، بعضُ طلبته مستشهدين به ومحيلين عليه أو بعض مشايعيه من زملائه في الشعبة التي يسيّرها، وذلك على شكل ما تسميه أوساط البحث الأمريكية بــ Working Papers، أي “مقالات قيد الإعداد” (تقارير، وتحريرات أولية في نشرات داخلية وبصياغات موقّتة لا تلتزم بكل الأوفاق الأكاديمية للنشر العلمي، ويقصد منها مجرد تسجيل تمَـلك فكرة معينة أو تحليل معين مما سبق أن كان موضوع عُروض شفهية أمام الأقران ويُخشى السطو عليه بالتحويل من طرف أقلام أسرع تحبيرا وأقل تحريا)، وذلك مع إثبات اسمه بشكل منهجي في الرتبة الأولى كشريك في “عمل بحث مشترك”.

أما بالنسبة لبعض التفاصيل من قبيل ما يتعلق بِـشارة (label) دار النشر Elsevier التي زعم ذلك الأكاديمي قبل سنوات أنها خصته بشهادة “أبرز باحث من حيث عدد المنشورات” على شكل لوحة عملاقة أقام حولها كرنفالا إشهاريا وإعلاميا موثقا بالصور والفيديوهات على المواقع الإليكترونية، فتكفي الإشارة إلى أن شارة تلك الدار قد شكلت منذ سنة 2004 موضوعا للتزييف على شكل ما لا يقل عن ستة عناوين لما يعرف بـ”المجلات العلمية المزيفة” كما يفصل ذلك المقالان الآتيان (انظر Ici ..و.. Ici).

   

 

عن مسألة التسريبات الاختراقية ما بين العام والخاص

وبالرجوع إلى مسألة التسريبات والاختراقات ومدى مناعة القنوات الرسمية ضدها، فهي أمور عادية في مجملها من حيث المبدإ، وكثيرا ما تحصل هنا وهناك في جميع البلدان. ويكفي التذكير، في هذا الباب في ما يتعلق بالمغرب نفسه، بقضية العفو عن العميل الإسباني دانيال غالفان (انظر هــنــا). غير أن هذا المثال الأخير، بالرغم من الضجة الكبرى التي أثيرت حوله في حينه نظرا لدخول االمجتمع المدني على الخط – وذلك من وظائفه – لا يمثل شيئا ذا بال بالقياس إلى النوع الأول المشار إليه من التسريبات. فمثال العميل الإسباني يتعلق في النهاية بما يحصل في روتين المعاملات الأمنية بجميع البلدان من اختلاف تقديرات الأطراف المتدخلة في تسوية من التسويات الأمنية بين البلدان، وذلك لولا ما اكتنف تلك الحالة بالذات من تداعيات أخلاقية حسّاسة بالنسبة للمجتمع. أما تسريب النوع الأول الذي هو موضوع هذا النص، فيمس جوهر قطاع أساسي يتحدد بمقتضاه مصير بقية القطاعات، ألا وهو قطاع التربية والتكوين والبحث العلمي الذي يبدو أن الدولة قد بدأت تسعى إلى تجعل منه قطاعا استراتيجيا سياديا منزها عن العبث العبث السياسوي وعن تجريبات الأهواء الأيديولوجية (انظر هــنــا).

سؤال سوسيو-ثقافي حول نوعية يقظة المجتمعين، المدني والأكاديمي

والسؤال السوسيو-ثقافي، أو ربما السياسي، الذي يفرض نفسه في النهاية هو: ما الذي يجعل مجتمعا مدنيا يُعرِب عن يقظة وتعبئة منقطعتي النظير، من قبيل الكيفية التي تمّ بها ردُّ الفعل في قضية جوهرُها تسوياتٌ أمنية معقّدة، وعوارضُها أبعادُ حساسياتٍ عاطفية تتعلق بعزة النفس الجمعية (الكرامة، العرض، الخ.) وكذلك ردّ الفعل القوي في قضية الطبيـبة المسكينة التي لجأت، بصفتها الفردية وعلى نفقتها، إلى وكالة خصوصية أجنبية لتـُـلمّع لنفسها نجومية مهنية (انظر Ici بالفرنسية ..و..هــنــا بالعربية)، بينما لم تصدر عن ذلك المجتمع ولو رمشةَ جفن أو “حكّة رأس” على إثر ما تدل جميع القرائن، وبشكل كان متوقعا ومنتظرا، على أنه تسريب منهجي من طرف جهات منظـَّمة لاسم عنصر من عناصرها إلى الواجهة الرسمية لإضفاء هالة التكريس الرسمي على النجومية التي كانت تلك الجهات قد طورتها عبر كرنفالاتها التكريمية لذلك العنصر كنموذج للكفاءة في قطاع استراتيجي من خطط الدولة، قطاع التكوين والبحث العلمي؟

سؤال حول مبادئ استراتيجيةِ التربية والتكوين والبحث العلمي

وأخيرا، وبخصوص مجمل طبيعة نظرية “الإعجاز العلمي للقرآن والسنة” التي يبشر بها الأكاديمي المذكور في ما حواليه ويوجه نحوها ضعاف العقول المنبهرين بتخريجاته البهلوانية من طلبته ومن غير طلبته كمنهج في البحث العلمي وفي تلقين العلوم، وكذا بخصوص مدى تغلغل هذه الحركة التبشيرية في النسيج التربوي والجامعي والثقافي بالبلاد، فيكفي الرجوع إلى النص الآتي (Ici) وذلك لتكوين فكرة إجمالية عن تلك “النظرية” من حيث إنها بدعة فكرية تنسف أسس التفكير العلمي من جهة؛ ومن جهة ثانية، تُحرّف جوهر خطاب التنزيل من خطابٍ للتأمل في معانيه إلى مجرد علاقات حروف وأعداد سحرية وشبكة كلمات متقاطعة/مُسهَمة (mots croisés/fléchés) تُستنبَط دلالاتُ تشفيراتها الجفرية (codage ésotérique) بإدمانِ رياضةِ بهلوانياتِ “قِمَطريّة حِسابِ الجُمَّـل” (alpha-numérologie) كمنهج مبتدَع في علم التفسير، متسرّب من حيث لا يدري المدمنون عليه من إسرائليات فنّ القبالة اليهودية (גימטרית הקבלה היהדית) التي لها مصادرها الموغلة في تاريخ فكر الصوفيات العرفانية اليهودية منذ ظهور “كتاب الخلق” (ספר יצירה) و”كتاب البهاء” (ספר הזהר) المجهولي المؤلف. وحينما يتمّ تكوين فكرة عن تلك “النظرية”، ولو انطلاقا من مُجرّد مفهوم تسميتها، يمكن طرح السؤال الجامع الختامي الآتي:

أ-فتلك “النظرية”، التي تَعمل اليومَ شبكةٌ عالمية ذاتُ فرع قُطري وفروع جهوية وقطاعية لها بالمغرب، ومنذ سنين، على نشرها وتحبيـبها في هذا البلد وفي غيره ليس فقط لبعض ضعاف العقول ومحدودي الموارد والقدرات في الأوساط الجامعية وشبه الجامعية، ولكنْ كذلك – وكما تنص على ذلك الأدبيات التأسيسية للشبكة – لأجيال الناشئين على الأخصّ، من أمثال التلميذ أحمد محمد، السوداني الأصل، الذي أصبح أمريكيا والذي دعاه الرئيس الأمريكي مؤخرا لزيارة تقدير واعتراف إلى البيت الأبيض، هي النهج الاستراتيجي الذي يـعِــدُ بأن يجعل، غدا، من المغرب بلداً عظيماً بفضل امتلاكه للعلم والمعرفة من خلال “المدرسة التي تخرّج التلميذ الذي يفكّر ويستعمل الحس النقدي” على حدّ التعبير الأخير للسيد عمر عزيمان، رئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي (مانشيط “المنعطف”؛ 16 سبتمبر 2015)؟

(*)(**)(*)
عن موقع الكاتب على الفيس بوك ومدونة “orbinah
محمد المدلاوي (المعهد الجامعي للبحث العلمي – الرباط)
http://orbinah.blog4ever.com/m-elmedlaoui-publications-academiques