يتواصل النقاش بمدينة تارودانت حول موضوع ظاهرة الجريمة وهي الظاهرة التي لم تعد تقتصر على الفئات العمرية من الكهول بل تفشت بين اوساط الفئات العمرية الصغيرة كذلك.

ولحدة الموقف يتواصل النقاش في اطار لقاءات تجمع السلطات المحلية والمجتمع المدني وبذلك تكون الاجهزة ذات الصلة نهجت مقاربة تواصلية سيحبذها جل المهتمين ان هي لمست الجانب النفسي والاجتماعي بحضور اساتذة علم الاجتماع ودكاترة علم النفس واذا اعتمدت نقل كل المعطيات الحاصلة الى الادارات المركزية ذات السيادة في القرار المختلفة المشارب من برلمان ووزارة الداخلية ووزارة العدل ومختلف القطاعات الحكومية المرتبطة .

هذا ان كانت الجهات المركزية وكذا الجهوية منها تأخذ بعين الاعتبار الحل الامثل والشامل والذي من خلاله سنحد من الظاهرة، والذي يتوقف جزء منه على استقدام عناصر امنية معززة بوسائل لوجستيكية، اي ان هذا الجزء مرتبط بإرادة الدولة في خلق مناصب شغل موسعة لتعزيز المدينة وجوارها بالموارد البشرية الامنية، وسيحتم ذلك توفير الاعتماد المالي لهذه المناصب الجديدة.
ولأن عملية التعزيز جزء فقط من الحل الشامل فلن تحل المعضلة المتفشية في دول كثيرة بما فيها المغرب، لان الحل في شموليته لا يقتصر على تكثيف عدد العناصر الامنية والدعم اللوجستيكي انما يستشعر الحل مقاربات اخرى اجتماعية تربوية واقتصادية وصحية وهذا يعرج بنا الى منعطفات اخرى ذات الصلة لأجل البحث في الاسباب الحقيقية او المساهمات المتصلة والتشخيص من القمة الى العمق ومن العمق الى القمة بمنهجية النقد والنقد الذاتي الجريء بعيدا عن خطاب المظلومية الذي سيكشف مسؤوليتنا نحن كمجتمع واسر الى جانب مسؤولية الدولة الجسيمة.

والتشخيص بطبيعة الحال من اختصاص الباحثين وعلماء الاجتماع ودكاترة علم النفس وسياسيين ممن توفرت فيهم الشروط المناسبة، لان السياسي هو من يُفَعل او يصدر القرارات المتعلقة بالحياة اليومية للمجتمع. وتعزيز الكتيبة الامنية بعناصر اضافية عنصر مساعد على استتباب الامن ولا يلغي ظاهرة الجريمة لان دور العناصر الامنية معالجة ما بعد الجريمة في الغالب بالتحري والقبض على المجرمين،اي معالجة النتائج والاعراض “اكالمريض الذي يداوي الم الراس بالمسكنات دون انتباه للمسببات” فان كان التفوق العددي واللوجستيكي هو الحل لانتهت الظاهرة بأمريكا ودول كثيرة بأوروبا .

الاسباب

الدوافع تتشابه او تختلف حسب الطبقات فدوافع الطبقة البرجوازية المتسمة بالجشع او الفساد المالي والاخلاقي ليست هي نفسها دوافع الطبقة الفقيرة والتي تكون لدى الاخيرة نابعة من الفقر والحرمان والحاجة.

الفقر

ينتج عن الفقر حرمان من مجموعة من الحاجيات خاصة الاساسية منها والتي تتوفر لدى فئة اخرى ما يؤدي لعدم تكافؤ الفرص في التعليم والتحصيل العلمي والصحة والشغل والسكن اللائق ليؤثر ذلك على الصحة الجسمانية والنفسية ما لذلك من انعكاس على سلوك الفرد ليتحول بعض من هذه الفئة في وجود مجموعة من العوامل المتداخلة الى وحوش ادمية مغيبة تحت تأثير العطب العقلي المتفشي داخل المجتمع الفقير، ما ينتج عنه انواع من الجرائم :- استعمال المخدرات وترويجها النصب والاحتيال الاغتصاب السرقة تحت التهديد بالسلاح الابيض –اعتراض سبيل المارة بواسطة الاسلحة والعنف اللفظي والمادي…وهذا التحول رهين بمدى استيعاب دور الاسرة في حماية الابناء من تأثير الحرمان ومن عوامل اخرى كالفراغ والامية والبطالة…في ظل محدودية امكانية الاسرة ومحدودية دور الدولة في تحسين وضعية الاسرة.

الاسرة

التحولات التي طرأت على البشرية تماشيا مع متطلبات العصر المتجددة ضاعفت من حدة التوتر وانتقلت بمجتمعات فقير تعيش البساطة الهادىة سابقا الى مجتمعات سريعة الوثيرة دون ان تتجدد الرؤيا لديها او يتماشى تحولها مع المتطلبات الجديدة. واول ضحايا التحول المفاجيء داخل المجتمع الخلية الاسرية وتماسكها.

فان كانت اسر حافظت على المقومات والخصوصيات التي تتصف بها الاسرة المغربية العريقة في احتضان كافة افرادها بمختلف اجيالها من الجد الى الحفيد وما يحيط ذلك من دعم ومساندة طبيعية عفوية فان جزء من الاسر اليوم تعيش خللا تربويا ووضعا بئيسا ، انتقلت معه من الاسر الحاضنة الى الاسرة المساهمة في التفكك الاسري والتشرد ولم يعد الاباء ولا الامهات بمستطاعهم ضبط سلوك ابنائهم لان انطلاقتهم في تأسيس الاسرة “الزواج” كانت انطلاقة خاطئة واصبح الاستمرار داخل هذا الرابط ومتطلباته النفسية والجسمانية والمادية والعقلية امرا صعبا يوازيه مشاكل جمة بين الزوج وزوجته، بين الاباء وابنائهم لتزول معه كل شروط التربية القويمة المستقيمة، ورغم ذلك تستمر الاسرة في التوسع بمضاعفة الانجاب دون محددات او ملاءمة للشروط الاعتبارية والقدرات العقلية والمادية مع الواقع المزري المتجلي في ابعاده المتعددة المادية والتربوية و النفسية وملاءمة الشروط ايضا بما يتماشى مع متطلبات الابناء من خلال دور الاباء والامهات في توفير التمدرس الجيد والحضن الدافئ والاستقرار النفسي.
لذلك يجب ان تتوقف الزيجات عند سؤال ملح وهو : ما الهدف من الزواج وما الهدف من الانجاب؟ في الحالة التي تكون الحصيلة مرهقة للأسر والمجتمع والدولة بل خطيرة في بعض الاحيان.

النظام التعليمي

لم يعد قادرا على بلوغ اهدافه لاعتبارات يعي بها اهل الاختصاص من بينها الانفجار الديمغرافي بالمدن وتعدد الروافد التي تصب في المؤسسات التعليمية من مختلف القرى والضواحي والمنهجية التعليمية التي اعتمدت الحشو بدل تجويد المواد التي سيكون لها وقع على المتعلم معرفيا وفكريا وعمليا .وهذا يدفع بنسب مهمة من التلاميذ والطلبة للخروج من عالم التمدرس في سن مبكر او متأخر واحتضان الشارع .

بالإضافة الى ان المعلم لن يكون بمقدوره بذل المزيد من الجهد في ظل الافواج المتلاحقة والتي لم تُهَيء اخلاقيا وتربويا بالبيت قبل سنوات التمدرس ناهيك عن الهجمة الشرسة المجتمعية ضد رجال التعليم من طرف اباء واولياء التلاميذ انفسهم واتهامهم بشتى انواع التهم المنحطة والتي تعبر عن عقلية فئة من المجتمع ما جعل هيئة التعليم تحد من تدخلاتها تجاه التلاميذ و دفع بتراجع دورها في مراقبة التلميذ ومحيط المدرسة فانتشرت المخدرات والآفات في محيط المؤسسات اوساط التلاميذ والتلميذات.
النزوح نحو المدينة

تسبب هذا في مجموعة من الظواهر من بينها تنامي رقعة الاحياء الشعبية التي اكدت بعض الدراسات توفرها على خزان من الآفات المجتمعية والاجتماعية ورغم ان كثيرين برزوا كنماذج يحتذى بها بعصاميتهم ونبل سلوكهم …الا انه لا يمكننا ان نتجاهل نموذج اخر حكمت عليه ظروف العيش اثناء رحيله من بلد لاخر وتخلصه من رقابة محيطه نموذجا سيئا لضعف المحصل التعليمي والتجريبي فيصطدم بنمط المدن خاصة الكبرى منها الذي يفوقه نسبيا من ناحية الرصيد المعرفي والتجريبي في مجالات كثيرة على راسها سلوك الفرد المتأقلم مع الحياة السريعة …ما يؤثر على المسار الطبيعي واستقرار المهاجر بالمدينة فيفرض عليه تحولا تربويا وسلوكيا معينا ليسقط من انتمائه المناسب بين المنزلتين بين القرية والمدينة الكبيرة فلا هو قروي بأعراف القرية بتقاليدها الاصيلة المتجانسة مع محيطها وبيئتها ولا هو متمدن ينساق مع مفهوم التطور على المستوى المعيشي والاجتماعي والسلوكي ما يجعله في مواجهة الحاجيات المتواترة امام شبح البطالة القاسي ويحدث التحول الصعب كافراز طبيعي لمحدودية مناصب الشغل الذي يقابله غلاء المعيشة.

شبح البطالة الاليف

لا شك ان عامل البطالة في غياب السلوك القويم والمتشبع بالأخلاق الحميدة في مراحل مختلفة من العمر يفقد المواطن العادي توازنه . ما لذلك من تأثير على وجوده ككيان، وعلى نفسيته امام الحرمان القاهر وهذا المعطى المؤسف تتحمل فيه الدولة نصيبا اكبر لفشلها في ضمان مناصب شغل للعيش الكريم ما تسبب في تضخم اجيال واجيال من المعطوبين نفسيا في قواعد المجتمع .
العامل النفسي وازمة القيم

ما الذي يمكن ان يقدمه معطل لنفسه؟ وماذا يمكنه ان يقدم في حالة تكوين اسرة جديدة في ظل البطالة؟

حسب الدراسات الاخيرة والمعطى السلبي، تشكل نسبة 48./. نسبة الذين يعانون من مختلف الامراض النفسية والعقلية والعقد والاكتئاب بالمغرب وهذا الرقم المهول مفزع وخطير جدا ، اي ان نصف سكان المغرب يحمل اعباء نفسية داخلية والاخطر من هذا ان الفرد لا يتقبل او يعترف بمثل هذه الانواع من الامراض ما يدفعه للعيش بشكل لا يختلف عن الاصحاء من خلال زواجه وانجابه للأبناء ما ينعكس سلبا على السلوك والقيم وما لذلك من تبعات خطيرة على المجتمع من بينها الاسهام في تفاقم ظاهرة الخلل النفسي والجريمة.

ان المحددات الست وعلى راسها الاخلاق والقيم الانسانية والتوازن النفسي كاف وحده خلق جيش من المجرمين فما بالكم اذا اجتمع هذا المعطى الخطير مع محدد اخر او محددات اخرى كالبطالة والامية والحرمان.

الحل

لدى يجب محاربة المسببات الرئيسية للأمراض النفسية بتوفير شروط الحياة العادية التي توافق العصر الحالي ومتطلباته بالعودة الى نموذج الاسرة الحاضنة متزنة نفسيا تلعب دورها من منطلق الواجب الطبيعي في تربية ابنائها تربية حسنة ولن يتأتى ذلك للأسرة الا من خلال الاستقرار المادي يوفر الحاجيات العادية ورصيد تعليمي ثانيا يخلق توازنا منسجما مع كل التحولات الطبيعية وفق استراتيجية شاملة متزنة ترتبط معها مؤسسات اخرى ذات الصلة لتوفير العيش الكريم – السكن- الصحة –التعليم – الشغل – وفق الامكانيات المتاحة .

وفي الوقت الذي تحولت فيه بعض الاسر الى اداة تفريخ والدفع بالعوامل القاسية كالتفكك الاسري وتشرد الاطفال يكون ذلك في غياب الدور البديل للدولة في بعض المناطق او محدوديته في مناطق اخرى .وحتى لا يغلب الانفجار الديمغرافي على الامكانيات المتوفرة يتوجب على الدولة تحديد النسل و الحد منه اذا اقتضت المصلحة الفضلى للدولة والمجتمع ذلك للحد من العبث الديمغرافي ويكون ذلك موازاة مع مجهودات تنموية واجتماعية وتربوية لتحسين المردودية السلوكية لدى المواطن
فالمصلحة تقتضي حماية المجتمع بحماية الاسرة وتجويدها لتصبح قادرة على التأطير التربوي والاجتماعي والنفسي المرتبط باستيعاب الادوار المنوطة بها.

لدى يجب ان تحدد اهدافا سالفة طبيعية لعلاقة الزواج وعلاقة الابوة والامومة والتي ستكون اجابة على سؤال لماذا اتزوج؟ ولماذا انجب؟

ومن ناحية اخرى فان عدم ملاءمة عدد العناصر الامنية مع النمو المضطرد للسكان واتساع الهوامش بالمدن والقرى يزيد من صعوبة الضبط والحد من الظاهرة الاجرامية، ورغم الزيادات المتتالية في صفوف عناصر الامن انما لتخلف عناصر اخرى اشرفت على التقاعد او انهت مهمتها بشكل من الاشكال.. وما يتبقى ينتشر في المدن السياحية على حساب المدن المجاورة كما هو واقع الحال لمدينة تارودانت.

كما ان الشكل البنيوي للمدينة باعتبارها مدينة عتيقة تضم احياء ضيقة تشكل عقبة اخرى امام الضبط.

لذلك يستحسن تظافر الجهود وتحمل كل ذي مسؤولية مسؤوليته فردا او جماعة مجتمعا او دولة للحد من الجريمة عبر توفير شروط تخليق الحياة العامة فلا امن بدون اخلاق.

– خلق تنمية مجالية ترتبط بالمعطيات المحلية للحد من الهجرة القروية من اجل توفير اسباب الحياة الجديدة ملائمة لبيئتها.

خلاصة

.فقر+ امية+ البدائية = كبث + عقد نفسية + خلل عقلي ينتج تشرد الاطفال +اغتصاب + العنف
المحصلة
مجتمع الفوبيا/مجتمع مريض/مجتمع الفوضى.
فالوطن اكتفى من خطاب المظلومية ويحتاج استيعاب كل فرد فيه الدور المنوط به.

 

الاثنين 25 محرم 1439 هجرية / 16 اكتوبر 2017.