لماذا لا تتحرك عقول الإدارة الترابية بالعمالات والأقاليم وتنهج طريق الصرامة مثل ما قام به عامل إقليم خنيفرة محمد فطاح الذي تقدم بدعوى استعجالية للمحكمة الإدارية بمكناس ضد رئيس مجلس مريرت، حيث طالب من خلال شكايته القضائية التي يخولها له القانون ب “عزل رئيس الجماعة، مستندا في دعواه على تقارير المفتشية العامة لوزارة الداخلية التي وقفت على العديد من الخروقات والتجاوزات في ما يتعلق بالتعمير والتدبير المالي والإداري وبعض الصفقات والمشاريع، ومعززا إجراءه بما طوقه به القانون من مساطر وصلاحيات دستورية.؟

” نهيب بالمجالس المنتخبة وخاصة على مستوى الجهات لتحمل مسؤوليتها في تدبير شؤون كل منطقة واتخاذ المبادرات للتجاوب مع ساكنتها والاستجابة لمطالبها المشروع” إنها كلمات ضاجة بالرسائل تحملها هذه الفقرة من خطاب الملك خلال افتتاح دورة اكتوبر البرلمانية. وهي تجيب عن اسئلة المجتمع المغربي، الذي اكتوى بنار التهميش والاستهتار عبر مختلف مجالاتنا الجغرافية. وتدعو ضمائر المنتخبين إلى الاستيقاظ من سباتهم الذي طال واستطال.

ففي حديث المقاهي والحمامات، وعلى موائد الأسر، وحلقات الشباب بأزقة ودروب أحيائنا المهمشة، وتحت نور أعمدتها الكهربائية الباهتة في منتصف اليل، وبالأسواق، وفي الحقول اليابسة، وداخل كواليس المؤسسات بمختلف القطاعات، لن يتناطح عنزان، ويختلف الرأي على كون أن تدبير الشأن المحلي بالجماعات الترابية الحضرية والقروية يتسم بالفساد والعشوائية والارتجالية. فأينما وليت وجهك يصدمك واقع حال مؤسساتنا الجماعيةالتي حولتها أيادي العبث إلى محميات خاصة، وتفننت في جعل كراسي الرئاسة ومعشر الواصفين بها، مدخلا لأخطر ريع يعصف باليابس والأخضر، من خلال صفقات مشبوهة تصاغ بهندسة احترافية، أو تمرير مشاريع لجمعيات الملاعق الذهبية ، وتوزيع ” بوندكوموند ” على الطبالين والزمارين والمتخندقين في الصفوف الأمامية “لتعياشت “.

لهذا السبب قال الملك في ذات الخطاب إن المواطنين “يحتاجون أيضا إلى قضاء منصف وفعال، وإلى إدارة ناجعة، تكون في خدمتهم ، وخدمة الصالح العام، وتحفز على الاستثمار، وتدفع بالتنمية، بعيدا عن كل أشكال الزبونية والرشوة والفساد” وجاء هذا الكلام ردا على تفشي سلوك اللامسؤولية في غياب ضمير وطني يحاسب ويراقب، وأمام خلل أصاب العقل الإداري، وتدبدب في مساطر قضائية تطبخ على مهل رغم التقارير التي دقت ناقوس الخطر من هنا وهناك، حيث أصيب المواطن المغربي المغلوب على أمره بيأس وإحباط خطيرين.

وتبعا لها التشخيص السريع يطرح العديد من المواطنين أسئلة حارقة على رئيس الحكومة و الوزراء المعنيين بحماية المال العام، في علاقتهم مع تدبير الشأن المحلي بجماعاتنا الترابية”هل يعقل أن تجمد تقارير لجن التفتيش والمراقبة و مجلس جطو، بعد عناء وجهد كبيرين في تتبع مسار صفقات وهمية ومشبوهة والبحث المضني بين الوثائق المالية وأرقامها الملغومة التي أزكمت الأنوف؟ ماذا ننتظر كي نعمل على تحريك مساطر المتابعة والمساءلة والمحاسبة أمام السلطة القضائية ؟ ما السبب في تعطيل أجرأة مضامين دستور 2011، والقوانين المعمول بها جنائيا في العديد من حالات اختلاس وتبديد المال العام عبر التراب الوطني ؟الجواب تضمنته فقرة نفس الخطاب ” ولكن الوضع اليوم، أصبح يفرض المزيد من الصرامة، للقطع مع التهاون والتلاعب بمصالح المواطنين.”

نعم هناك نماذج كثيرة عبر خريطة المؤسسات المنتخبة لا تصلح إلا للعزل والمتابعة القضائية، على اعتبار أنها لم تتعظ من درس حراك الحسيمة وشبيهاتها من المدن والقرى التي تدبر من طرف أشخاص همهم الوحيد تنغاص الحياة على المواطنين، وتقطير الفقسة على قلوبهم، ومعاكسة خطابات الملك وتطلعات الشعب المغربي الصبور.

 

اليوسفية :

الثلاثاء 26 محرم 1439 هجرية/17 اكتوبر 2017.