مشكلة المواطن مع الفقر والتفقير والإفقار مشكلة قاصمة تبحث عن عاصمة ، إلا أنه من كل أنواع الفقر والإفقار والتفقير يعد الفقر المائي أو التفقير المائي أكثرها خطرا ، وبشاعة ، وجدية في تهديد وجود الإنسان على الأرض .

ومن المعروف أن عددا من مناطق المغرب تعاني بشدة من الفقر المائي ، وأيضا من التفقير المائي ، خصوصا منطقة سوس ، وجهات من الجنوب الشرقي ، والأطلسين الكبير والمتوسط ، حيث جفت المنابع أو كادت ، ومثلها الآبار والوديان ، وتقلصت حقينة السدود ، وأصبح باطن الأرض أشد من ظاهرها يبسا وجفافا . وبعض الجهات المغربية تدق ناقوس الخطر لتواجدها على مقربة من كارثة إنسانية بسبب العطش واجتفاف العروق والكلى والأوردة ما يستلزم تدخلا عاجلا للدولة ، لا بالعصي والاعتقالات والمحاكمات ، وإنما بحلول فعلية تعيد للمواطنين بعضا من الثقة في مؤسسات الدولة وأجهزتها التقريرية والتنفيذية والتضامنية .

إن أسباب الفقر المائي في المغرب متعددة ، منها ما هو ناتح عن إكراهات المناخ كقلة التساقطات المطرية ، وعدم تنظيمها ،والارتفاع القياسي لحرارة الجو ، والرياح الجافة ، ومنها ما هو ناتج من جنون البشر كالتبذير في سقي الحداءق الشاسعة ، وملاعب الكولف ، وملء المسابح الخاصة للترفيه ، وسقي الضيعات المتلاصقة ، وزحف البنايات الأسمنتية والمشاريع الصناعية والسكنية على الأراضي المشجرة…

إن الماء هو أعظم حق من حقوق الإنسان لا رتباطه بوجوده ووجود الطبيعة من حوله من زروع ، وأشجار ، وحيوانات ، ومن غصبه هذا الحق إما بالاستحواذ ، أو بالاستنزاف ، أو بالعرقلة ، فهو مجرم ضد الإنسانية ويجب أن يحاكم بهذه الصفة . كيف لضمير إنساني حي أن يستمتع بجزء كبير من الماء المشترك بين جميع المخلوقات ، وغيره يعاني وماشيته ودوابه من العطش الشديد !
كيف تنظر إلى عطش غيرك يا من يبذر في حديقته ومسبحه وغسل سياراته ما هو كاف لإنقاذ قبيلة من الموت المحقق بالاجتفاف ؟
إن الماء ليس هو الذهب الأزرق كما يقال ، فهو فوق ذهب الأرض كله ، لإنه يغني عن الذهب والذهب لا يغني عنه .
ومعظم الحروب التي وقعت في تاريخ البشر كان ” وقودها ” الماء لحيويته وأهميته في الوجود .
قال تعالى :” ونبئهم أن الماء قسمة بينهم ، كل شرب محتضر ” .

فالعدالة المائية هي أسمى العدالات ، ولتكن من أولويات الدولة …

 

الاثنين 2 صفر 1439 هجرية / 23 أكتوبر 2017.