كان واضحا أن الوزير الجزائري في الخارجية، يعرف بأن مخاطبيه، لا في إفريقيا ولا في المغرب ولا في النظام العالمي، غير معنيين بتصريحاته.

فلا الأفارقة في حاجة إلى الاطلاع على رأي الجزائر بعد خمسين سنة نضال بلغة دريد لحام…
ولا المغاربة يمكن أن يكتشفوا الحكمة من أفواه السفهاء
ولا النظام العالمي المالي يمكنه أن يستشعر الحاجة إلى الاهتمام بالنموذج الجزائري في تدبير المال والأعمال..
وأي صدفة قد تجمع بين كلامه وسياق دولي أو قاري ما هي من محض التشابه غير المحكوم بنية القصد!
كلامه استهلاك داخلي، للتنفيس..
لخطوبة ود رجال الأعمال، بعد أن صار الرأسمال الجزائري لا يثق في الدولة..
ولا في مخططاتها القارية…
وهو إلى حد الساعة يحاول استدراج رجال الأعمال إلى حرب الطوائف في النظام…
هو مسؤول، في نظر الكثيرين من مربع السلطة، سواء كانوا من أصحاب الجنرال توفيق المطاح به، أو من أنصار «الديريس» القوية والجنرالات الذين تم إخراجهم من دوائر الحكم، عن الفشل الذريع في إفريقيا،
وفي دخول المغرب إلى أكثر مناطق الجسد الدبلوماسي حساسية!
لهذا يريد أن يتسلح بالذراع المالي في مواجهة خصومه الداخليين..
وما نقدمه ليس تفسيرا، بل هو تسليط الضوء على محاولة يائسة وبئيسة للرجل الدبلوماسي الأول في نظام الجمهورية الجزائرية المتحركة!
وأعتقد جازما، بفعل المرافقة وأيضا بفعل المتابعة أن الجزائريين، لن ينصتوا إلى تفاهات وزيرهم عن المغرب،
ولا يهمهم ما يقوله عن المخدرات وعن التبييض وسواه،
الجزائريون يتابعون في المغرب جرأة ملكه، ويرون أن ما يهمهم من المغرب هو التجربة الناجحة في التطور، مع الحفاظ على الاستقرار.
وجرأة ملك البلاد في قول الحقيقة لشعبه عن فشل النموذج التنموي
وعن مشكلة الفساد
وعن المشكلة التعليمية
وعن العجز السياسي في الثقة
وعن عجز الثقة في السياسة..
نعود إلى السنة الماضية عندما صرخ الجزائريون : ضمنا إليك أيها الملك…
وكان العبد الفقير إلى رحمة ربه قد كتب وقتها ما يلي :»

«ضمنا إليك أيها الملك».

إنها نفس العبارة..ونفس المعنى …..ولكن من منطق مختلف: بدت كما لو أنها وليدة بوهيمية شعرية لتنتهي إلى رجاء إعلامي..الفرق هو أن العبارة نفسها قيلت في البداية هنا، بالمغرب في مناسبة ثقافية، لعلها معرض الكتاب سنة 2011 أو 2012. والتكرار الذي بدأ مرحا، عاد جديا. ففي المرة الثانية اكتسى مسحة تراجيدية.. عندما جاءت العبارة نفسها في مقال صحافي جدي للغاية. كما لو أنها تخضع لقانون الملهاة والمأساة في تعريف ماركسي يمس التكرار…مازلت أذكر اللقاء الذي‮ ‬ساهمت فيه شاعرة جزائرية‮ (‬لم أستسمحها لذكر اسمها)،‮ تقيم بين الضفتين، الجزائرية والفرنسية، متعددة الاهتمامات، ‬عندما كان مجموعة من الشعراء‮ يحيطون بها، بحيوية ومرح طفوليين، وقتها قالت «أقترح أن يكون محمد السادس ملكا على شمال إفريقيا كلها…». وضحك الجميع وأصبح كل واحد يردد العبارة لكل من يلتقيه:‬ هل سمعت ما قالته هذه الشاعرة (لنسميها داهيا)؟..ولأنها جزائرية الأصل كان لوقع الكلمة مغزى خاص للغاية.ويكرر التاريخ نفسه، وما كان. وقد جاءت مقالة الصحافي بأكبر صحف الجزائر (الخبر) لتقول وتعبر عن هاته الروح بعد سنين من اللقاء الذي تحدثت عنه..«ضمّنا إليك أيها الملك؟!». كتبها في المرة الثانية سعد بوعقبة «ضمّنا إليك أيها الملك» استجابة بعدية لما أرادته الشاعرة! وفيها يقول الكاتب بوعقبة إنه تحدث قبلا، في المقال «عن خيبة نظام الجزائر الذي يتعرّض للحصار العالمي بسبب الحرب الأهلية التي نشبت في الجزائر، في وقت كان الملك المرحوم الحسن الثاني يتفاوض مع الاتحاد الأوروبي حول مشاريع اقتصادية واعدة، وصيغ تفضيلية متقدمة مع الاتحاد الأوروبي في مجال التبادل التجاري في الزراعة والصناعة والصيد البحري». وعاد ليرفعها في وجه النظام الجزائري، بعدما سجل “نهضة حقيقية في المغرب الشقيق، دون بترول ولا غاز.. أنجز المغرب عدة مصانع للسيارات الأوروبية والآسيوية، هي الآن تنتج عشرات الآلاف من السيارات تغطي السوق المغربية وتصدر الفائض للخارج.. وشغّلت هذه المصانع عشرات الآلاف من العمال المغاربة”.الحديث من هذا النوع محرم في الجارة الشرقية، لهذا سألني صديق الشاعر جلال الحكماوي عندما ذكرته بما قالته الشاعرة صديقته وما قاله الصحافي بنفس الكلمات، ونحن بالمعرض الدولي للكتاب: «… وهل ما زال الصحافي حيا؟». أشياء محرمة تقع في الجارة الشقيقة ومحورها بلادنا. فلأول مرة،‮ ‬منذ إغلاق الحدود المغربية الجزائرية،‮ ‬سنة‮ ‬1995،‮ ‬طالب رئيس حزب سياسي‮ ‬جزائري‮ ‬بفتحها؛ وهو استثناء لم تجرؤ عليه لا أحزاب المعارضة ولا أحزاب الأغلبية منذ التاريخ الرسمي‮ ‬للإغلاق‮.‬ فقد اعتادت الهيئات السياسية أن تجاري‮ ‬القرار الرسمي‮ ‬في‮ ‬كل ما‮ ‬يتعلق بالمغرب،‮ ‬ولاسيما قضية السيادة الوطنية وقضية الحدود‮. ‬وهما قائمتا المركب العسكري‮ ‬الصناعي‮ في مشروعه ‬ضد المغرب‮.‬(…) فقد شارك سعداني في برنامج «قضية ونقاش» الذي بثته قناة النهار الجزائرية، وقال إبانه، «أنا شخصيا أقول بأن التصعيد ليس في صالح المغرب ولا الجزائر». وأضاف «وقضية الصحراء الغربية عندي فيها ما أقول ولابد أن نصارح فيها الشعب الجزائري…ولابد سيأتي يوم وسأتكلم فيها». ورفع السعداني الإيقاع عندما أجاب الصحافي بالقول «أنا عندي رأي والقضية من 1975 لم تجد طريقها للحل…هذا الموضوع لو تكلمت فيه سيخرج الشعب إلى الشارع». زعيم جبهة التحرير، والذي عادة ما يعتبر رأيه مقدمة رأي الرئيس، بل بالون اختباري لما سيفعله الرئيس (كما هو حال الإقالات في صفوف المخابرات العسكرية والجيش) تحدث عن خطاب جلالة الملك بمناسبة المسيرة الخضراء وقال «لا بد من مراجعة الحسابات بخصوص العلاقة مع المغرب».كل هذه المؤشرات التي ختمت الجزائر بها سنتها المنصرمة لا يمكن أن نغفلها في تحليل العلاقة مع جيراننا».

وما يبقى في النهاية هو شجاعة ملك في قول حقيقة الأوضاع لشعبه وشجاعة نخبة في الارتماء في ….حلم المغرب!

وقد تفسر المعطيات التي نقلناها، خوف النظام وأدواته البشرية من انفلات الوضع من أيديهم، والبحث عن العدو المرسوم سلفا من أجل تعبئة مشكوك في مدى نجاعتها..!

 

الثلاثاء 3 صفر 1439 هجرية / 24 أكتوبر 2017.