نعني بالعدمية نزعة في التفكير لا ترى إلى الأشياء والأفكار والأفعال والمؤسسات والحقائق المادية، ولا إلى الماضي والآن والمستقبل إلا بوصفها عدماً ، أو عالماً خالياً من المعنى. وللنزعة هذه، وهي نقدية عنيفة، أصول فلسفية جرب كتابها أن يمنحوها مضموناً فكرياً من دون أن يأخذوها إلى حيث تستقر على مدلول قار، خشية أن تكتسب معنى. لذلك كثيراً ما غلفت النظرة الفلسفية العدمية بالنقد، وأحياناً، بأسلوب الهدم لئلا ينظر إليها بوصفها منظومةً للمعرفة أو نسقاً فلسفياً يقول شيئاً آخر غير النقد. لهذا السبب، كثيراً ما أطلقت عليها تسميات عدة من قبيل: فلسفة الهدم، أو فلسفة التفكيك، أو فلسفة اللامعنى، وما في معنى ذلك. ولقد يكون الفيلسوف الألماني نيتشه، أظهر من أفصح عن العدمية تلك في تاريخ الفكر الفلسفي الإنساني- الحديث والمعاصر على الأقل- وأكثر من ألهم وريثاتها من الفلسفات المعاصرة، في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، مثل الوجودية وفي السنوات الخمسين الأخيرة، بخاصة، مثل التفكيكية، بالمقدمات الفلسفية التي تؤسس بها مقالاتها وتصنع بها أصولاً إليها ترجع، وعليها تبني.

وما كانت الفلسفة وحدها التي أطلت (النزعة) العدمية من نافذتها، وإنما أمكن الأخيرة أن تتمظهر في شتى أنواع التعبير الثقافي، بما فيها الأدبي والفني؛ فكان أن زحفت فكرتها على الأدب: رواية وشعراً ومسرحاً (نصاً مكتوباً)، فتدفقت موجاتها، بين عشرينات القرن العشرين وخمسيناته، قبل أن تعقبها موجة الالتزام التي أطلقتها دعوة جان بول سارتر ودعوات تحررية عالمثالثية. ولكنها أصابت الفن، مبكراً، إصابتها الأدب؛ فكانت الموسيقا أول من بكر في استقبال العدمية، على ما تعبر عن ذلك الأعمال السيمفونية السوداوية لريتشارد ڤاجنر الألماني، صديق نيتشه، قبل أن يتوسع التعبير عنها في السينما والمسرح. ولسنا نبغي، هنا، أن نؤرخ للعدمية كفكرة فلسفية، أو كتجربة ثقافية في الأدب والفن، بقدر ما يعنينا التشديد على أنها ما كانت، أو أصبحت نزعةً سياسية، إلا بعد أن رسخت لها الجذور في الفكر الفلسفي والإنتاج الأدبي والفني، بل ولعلها ما كانت لتبلغ المجال السياسي لو لم تكن لها تلك المقدمات الفكرية والثقافية.

العدمية في السياسة والعمل السياسي نزعة هدم، أو نزعة إلى الهدم، إلى محو الماقبل وعده في جملة المعدوم، وإلى نفي إمكان صيرورة المابعد واقعاً يبنى عليه. ليس وراء العدمية السياسية واقع يحسب في عداد التراكم بحيث يستأنف أو يزاد عليه أو يطور؛ وراءها الصفر، الخلاء المطلق، اللامعنى. هي لا ترى إلى نفسها كتصحيح، أو تصويب، لما تحسبه هباءً في الماضي؛ فهي، نفسها، لا تحمل من معنى لأنها لا تطمئن إلى أي معنى! والعدمية في السياسة. رؤيتها اللارؤية، وأفقها اللاأفق، وهي لا تقترح على من تخاطبه سوى العبث والشك الذي لا نهاية له في كل شيء. تفعل ذلك باسم النقد، لكنها تهبط بمعنى النقد من عليائه، كفعل معرفي بناء، إلى درك أسفل هو النقض؛ حيث الأشياء والأفكار خرائب! الممكن عندها مستحيل والمستحيل ممكن، والواقع في حسبانها قهر وإرغام لا يتذلل صعبه إلا بإنكاره، وكل اعتراف به – ولو من باب الاضطرار- تسليم بمشروعية ما ليس مشروعاً، وتسويغ له وإن هو لبس لبوسا ثورياً؛ إذ ليس من مفهوم للثورة سوى الهدم والمحو.

ولكن «ثورة» العدمية السياسية ورفضويتها ليست من نوع الثورات وأيديولوجيات الرفض التي تنجب بديلاً من الواقع القائم، أو التي تضمر خياراً للتجاوز إيجابياً؛ إنها «ثورة» تهدم من دون أن تبني، ورفض يحتج من دون أن يتخطى لحظة الاحتجاج إلى فتح أفق. ولأنه (الرفض) بهذه المثابة، فهو سلبي غير منتج، بل هو- في لحظة منه- هدام وكابح لحركة التطور والتاريخ. والحق أن ما يقترن بالعدمية السياسية من منازع ثورية ورفضوية سلبية إنما مأتاه من عطبين يلمان بها تكويناً واشتغالاً في تعبيراتها السياسية، وهما العملتان التي بهما رواج كل عمل سياسي منتج.

فأما فقرها إلى التاريخ فالشاهد عليه أنها لا تلحظ وجود حلقة قبلها؛ فهي من التاريخ لحظة البدء المطلق، وما قبلها في حكم العدم. وإن هي اعترفت بوجود ما للماقبل، فالماقبل ذاك ليس أكثر من معبثة متبددة. إنها تضع نفسها خارج التاريخ أو في ما فوق التاريخ، فتعلو عليه وعنه تتعالى لأن التماس به لا يعني، في عقل عدمي، سوى تلوث السياسة بخارجها الموضوعي والحال إن العدمية تعيش نفسها في داخلها المغلق لا تبرحه، ولا تعترف بغير نفسها كائناً كامل الوجود.

العدمية السياسية بهذا الحسبان؛ برفضويتها الحادة لكل شيء؛ بسلبيتها البالغة في النظر إلى المكتسبات المتحققة؛ بإصرارها على تجاهل الواقع الموضوعي وحقائق ميزان القوى؛ بنقدها الشديد الذي لا يأخذ في الاعتبار شروط الإمكان أو ممكنات التاريخ؛ بجموحها الثوروي إلى لا ضفاف ولا آفاق…، إنما هي- بالتعريف- نزعة طوبوية، ولكن لا بالمعنى الإيجابي حيث تكون الطوبى دافعاً نحو اجتراح المنشود- كما في أي إيديولوجيا سياسية ثورية- بل بالمعنى السلبي حيث لا تستقر الطوبى على أي مثال قابل للتحقيق.

 

الثلاثاء 3 صفر 1439 هجرية / 24 أكتوبر 2017.