ومن المحقق أن اختبار المحاسبة، المقتصرة على الإعفاء، والرقابة المتشددة على النتائج، لا تلغي التمحيص، بل تضاعفه للأداء العام لهذه الإمبراطوريات التي عادة ما تعطينا الانطباع أنها خارج منطق المراقبة.

فالمديونية عنوان بارز على ارتباط هذه المؤسسات بتدبير يجعلها رهينة بالدولة وتأكل من المحفظة العمومية للبلاد. وقد بلغ حجم مديونية المؤسسات والمقاولات العمومية إلى حدود 2015، ما يقابل 25% من الناتج الداخلي الخام!! وفي ظرف عشر سنوات، أي منذ انطلاق مبادرة التنمية البشرية، كإعلان رسمي من أجل تدبير جيد للخزينة ودفعها إلى مواجهة الهشاشة، ارتفعت مديونية هذه المؤسسات بما يناهز 320 %، حسب مصادر المجلس الأعلى نفسه….

وفي سياق الدين نفسه، الخارجي بالذات، فقد وصلت مع نهاية 2015، إلى 160 مليار درهم! وهو ما يشكل 65 % من مجموع دينها، يبلغ المضمون منه 105 مليارات درهم!

والغريب أن خلاصة تقرير مجلس جطو تقول ، بخصوص الكتلة الأجرية التي زاد ارتفاعها ، بالرغم من صعوبات النموذج التنموي الساري في البلاد ، بسبب التحفيزات ..وبالرغم من كون عدد العاملين ظل نسبيا مستقرا (حوالي 130 ألف إطار وموظف عامل )، فإن نفقات الموظفين تمثل أزيد من 45% من القيمة المضافة الناتجة عن هذا القطاع، وبلغة أوضح، يقول التقرير إن نسبة مهمة من أرباح المؤسسات والمقاولات العمومية يستفيد منها أجراؤها«..انتهى الكلام!

لا بد أن نشير إلى أن قرارات الإعفاء وربط المسؤولية بالمحاسبة لا يمكن أن تلغي هذه المؤسسات من الحسبان، سواء كان هناك غليان شعبي أو لم يكن..

وذلك لأسباب آتية:

المرجعية الدستورية هي التي تتحكم في تنظيم أشغال الحكومة، كما تنظر وتنظم سير المؤسسات العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة لدى الوزراء هي نفسها لدى مسؤولي المؤسسات المعنية… والمراسيم المحددة لاختصاصات وتنظيم الوزارات…

* السياسات التي تعنى بها هذه المؤسسات والمقاولات هي السياسة التي تحددها القطاعات الوزارية المعنية بها..
فلا يمكن أن نحاسب الوزير بدون أن نحاسب المؤسسة العمومية المعنية والشريكة معه في تدبير مجال عملها، هناك ترابط تبعي إذا شئنا بين الوزارة والمؤسسات العمومية في مجال تنفيذ المشاريع….

* المؤسسات العمومية، هي أيضا مرتبطة ارتباط وثيقا بالجهوية: فهي الوسيلة المفضلة في التنمية الجهوية وإعداد التراب الوطني، لا يمكن أن يتحدث ملك البلاد عن تفعيل الجهوية وتحسين إطارها القانوني وتحديد مجالات نشاطها بدون أن يكون لذلك أثر على تدبيرها، فأثرها سابق باعتبارها وسيلة مفضلة في التنمية الجهوية….

* لا يمكن أن نتحدث عن المسؤولية والمحاسبة بدون منظومة تجعلها تسري على الزمن الطويل، واعتبار أن المؤسسات التي تعتبر الذراع التنفيذي للدولة يجب أن تكون خاضعة لشفافية مطلقة، تمكن من حصول المعنيين، إدارة ومواطنين ومنتخبين ومسؤولين، على المعلومة بسلاسة أكبر مما هي عليه، وهذا لا يقتصر على هاته المؤسسات بطبيعة الحال، لكنها منذورة لذلك بسبب صعوباتها ودوائر العتمة المحيطة بها..

* المنظومة لا يمكن أن تكتمل بدون وجود قضاء مستقل يشتغل بدون توافقات وظلال، ويستطيع أن يحترم اختصاصاته والسهر على الملكية العامة والمال العام، ويبادر بدون انتظار تدخل الملك..
فلا يعقل بأن يقوم الملك بمراقبة 130 ألف موظف في هذه المؤسسات، أو يتابع تقاريرها باعتباره رئيس الدولة والساهر على مصالحها دستوريا..

بمعنى لا بد من قضاء يشتغل على قاعدة العدل والصالح العام، لا على قاعدة الموسمية والبناء السياسي للحظة!
ولا يمكن أن تقوم قائمة لهذه المؤسسات بدون إعلام قوي أيضا، وتلك قصة أخرى….

وبدون برلمان يمارس رقابته دون الخضوع لاشتراطات المرحلة المنخفضة، بل باشتراطات تقوية نسيج الدولة في المراقبة…. ونحن نتكلم في العمق عن مقومات دولة الحق والقانون..
دولة المحاسبة اليومية والدائمة….

 

الاثنين 9 صفر 1439 هجرية / 30 أكتوبر 2017.