حرص الملك الاسباني، فيليب السادس، على أن يضع المشترك السياسي الديمقراطي في بلاده، كقاعدة لتقدير الموقف في كاطالونيا.

وإذا كان ملك البلاد قد أدان المحاولة الانفصالية، فإن اللافت للانتباه هو الحرص الشديد على وضعها في إطار التعاقد الداخلي الذي أسست عليه إسبانيا الجديدة هويتها.

وعناصر هذا التعاقد، منذ نهاية الفرانكاوية وانطلاق الانتقال الديموقراطي، تتجسد في دستور كان من ورائه الآباء المؤسسون، والذين صاغوه من أجل إسبانيا الجديدة، بالرغم من مشاربهم المختلفة بل المتضاربة أحيانا..
ثم الديموقراطية، كمبدأ في الحكم وأيضا في ضبط العلاقات بين مكونات اسبانيا المنبثقة من تحول سياسي كبير..
ثم الملكية البرلمانية، كما تم الاتفاق عليها بين هذه المكونات وصاغتها الوثيقة الدستورية الرئيسية منذ 1978..
ولهذا عندما يحتكم الوحدويون إلى الأسس الشرعية الكبيرة في بناء هوية اسبانيا، تبدو المحاولة الانفصالية كما لو أنها عملية مسح سريعة في نوايا الهويات الشقية لدى نخبة محلية في كاطالونيا..

فالواضح أن إعلان الاستفتاء حول الانفصال ثم إعلان الانفصال وميلاد جمهورية كاطالونيا في السياق العام والخاص، بدا كمحاولة مرتجلة لبناء دولة ضد دولة أخرى لم ينجح الخطاب في ترسيم صورتها كدكتاتورية كما يريد..
ليس هناك أي عرض سياسي، حتى ولو سلمنا بأن التفكير بذاته في تفتيت اسبانيا أمر غير مقبول بالمرة بأية شرعية كانت، أو قل ليس هناك عرض سياسي يشمل الاقتصاد والديبلوماسية بالأساس، باعتبار معركة الاعتراف الفاشلة منذ البداية، والمؤسسات، وهو الشيء الذي اعتبرته مصادر عديدة ومقاربات كثيرة، اسبانيا ودوليا، عنوان غرور وعدم نضج كبيرين.. فالانفصال ليس عرضا سياسيا لبناء دولة! وهذا ما يتضح من مقاربات متباينة لكنها تشترك في أن الإعلان كان ضربة مزاج ومناخ مفصول عن حقائق اسبانيا الجديدة..

غير أن الذي يمكن تسجيله منذ ارتفاع منسوب التوتر هو الحرص على أن تتم الأمور عبر المسالك الديموقراطية والقانونية، مع التزام صارم بقواعدهما..
ولهذا عللت مدريد خطواتها بالدستور، وبالقانون وتحت سقف الديموقراطية..

كما أن العديد من القراءات ترى في تطبيق القرار بالدعوة إلى انتخابات 21 دجنبر القادم، هو مخرج جيد للجميع، وربما لكي يقول كل الكاطالانيين رأيهم..

فهي انتخابات بمثابة استفتاء، غير أنه استفتاء شامل لكل الكاطالانيين، وخاصة منهم الذين لم يسارعوا إلى الإدلاء بأصواتهم الوحدوية في المرة السابقة..

النقطة التالية التي تبرز من تدبير الملف الكاطالاني، هي إمكانية إعادة النظر، من لدن الكاطالان، في علاقتهم مع باقي البلاد، من زاوية إعادة النظر في الحكم المستقل الذي تتمتع به الحكومة المحلية، هي فرصة لإعادة النظر في البناء المؤسساتي كما نجم عن الانتقال الديموقراطي ودستور الملك خوان كارلوس والآباء المؤسسين..!
النقطة الأخيرة، تتعلق باستفتاء الانفصال نفسه، والذي أبان عن محدودية القبول به داخل اسبانيا، وبالتالي داخل أوروبا برمتها..وهو أمر لا بد له من إسقاطات دولية، تمس أطرافا في العالم ولاسيما جنوب المتوسط.. وهو ما سيحدد العلاقة من جديد بين الدول المعنية به والنخبة الاسبانية..لم يعد مقبولا الكيل بمكيالين في قضية تتعلق بالوحدة الترابية للبلدان.. وقد يكون ذلك حصانا لها للدخول إلى فضاء عمومي ظل حكرا على القوى الانفصالية، تحت ذرائع عديدة منها تقرير المصير..

 

الاربعاء 11 صفر 1439 هجرية / 01 نونبر 2017.