في قطاع التربية الوطنية والتعليم، يمكن الجزم أننا جربنا في محاولات إصلاحه وعلاج معضلاته كل الأوراق والوصفات، الحزبية منها والتقنوقراطية، فلم يحالف التوفيق، ولو بنسبة ما، أيّ فريق ولا أي سياسة في الموضوع، كما تدل عليه أحدث التشخيصات الوطنية والأجنبية. إن ذلك القطاع عموما، وهو من أهم روافع التنمية البشرية، قد بلغ حدا من التدهور والخطورة بحيث أمسى أولوية الأولويات وأدعاها إلى وضع عقولنا وسواعدنا على محك الفحص والامتحان، فإما أن نعزَّ بها وإما ن نُغلب ونُهان.

صحيح أن تشخيصات أزمة منظومتنا التعليمية تكاثرت (والمزيد منها مطلوب علميا)، وكلها تجمع على أن أزمة بنيوية، لها جذور وتشعبات معقدة متناسلةٌ شتى، كما أنها أزمة تتفاقم مع مرٍّ السنين ولا تنفرج. فلم تنفع في علاجها التقارير ولا البرامج، أشهرها البرنامج الاستعجالي (2000-2013) الذي كلف إنفاق 41 مليار درهم، الظاهر أنه ذهب هباءً منثورا.

ولا ندري ما حكم المجلس الأعلى للحسابات على هذا الإنفاق الهائل، وذلك من حيث مردوديته النافعة ونتائجه الايجابية… ومع ذلك يبقى أن هناك من العناصر السالبة ما لا يُكشف عنها بما فيه الكفاية، وأخرى لا يُلتفت إليها أو يُسكت عنها. وفي هذا المنحى أدرج قدر الإمكان مقالتي هته.

وبدءا أورد فقرة تشخيصية للإستفادة أو للإستئناس، مأخوذة من تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي “رؤية استراتيجية للإصلاح 2015-2030″، وهي: «ضعف التمكن من اللغات والمعارف والكفايات والقيم؛/ محدودية نجاعة أداء الفاعلين التربويين وما يعانيه التكوين الأساسي والمستمر من نقائص؛/ استمرار الهدر المدرسي والمهني والجامعي؛/ الولوج المحدود للتعليم عبر التكنولوجيات التربوية؛/ ضعف المردودية الكمية والكيفية للبحث العلمي؛/ التردد في معالجة الإشكاليات الأفقية، ولا سيما مسألة تعلم اللغات ولغات التدريس».

حلقات فاسدة

إن منظومة التعليم العمومي، الذي ترصد له الدولة أضخم ميزانياتها 57,7 مليار درهم (يفوق ميزانية الدفاع نفسها)، بات يمنح دبلومات تضاءلت في الغالب عبر السنين قيمتها في سوق التوظيف والشغل. مما حدا باليونسكو إلى جعل المغرب ضمن 25 بلدا الأقل تقدما في مجال التربية الوطنية؛ كما أن هناك استطلاعا قام به أواخر 2015 المنتدى الاقتصادي العالمي متبنيا معيار الجودة (quality) لـ 140 قطرا، فاحتل فيه المغرب الرتبة 101. وفي تقرير للبنك الدولي (17 أبريل 2017) جاء أن المغرب متأخر نصف قرن عن أوروبا وأن التعليم ذا الجودة المتدنية يحتاج إلى معجزة للنهوض.

ولن نقارب هذا بالحلول المرتجلة الترقيعية (من صنف “أساتذة الغد” و”التشغيل بالتعاقد”) بل بالإجراءات الجذرية الناجعة. وهكذا، تبعا لذلك، أمسى وضع جامعاتنا بكل تخصصاتها تقريبا يشكل أبلغ تعبير تركيبي عن صعوبة تلك الحالة المستفحلة عاما تلو آخر، ساهم في تكريسها وترسيخها مسؤولون متعاقبون، وأطرُ تدريس مقصِّرون متهاونون ومستهينون بقيمة الشهادات التي يمنحونها، بدعوى أزمة سوق الشغل واحتقان مسالكه، وهم بهذا السلوك يصبحون طرفا في الأزمة ومن مؤججيها، ولو أنه يُسكتُ عنهم ويُغضُّ الطرف؛ تراهم، وهم غالبية، ضعيفي الزاد في مجال البحث والنشر، علما بأن في هذا المجال بالذات تكمن مؤشرات الجدارة والاستحقاق، فيتساهلون إلى حدٍّ مقلق مع الطلبة في امتحانات التنقيط والتقييم، ويمارس بعضهم التدريس أيضا في بلدان عربية؛ وينضاف إلى هؤلاء وأولئك الطلبة الكسالى والانتهازيون وممارسو سلوك التزلف والاستهتار.

أما بيداغوجيا فإن التيار الغالب هو “ثقافة” الدفتر والحفظ عن ظهر قلب لمضامين المقررات، من دون حرص على تجنب طرائق الاختزال والإدغام والبتر، ولا مراعاة شروط الفهم والمجادلة بالاعتماد على أمهات المراجع وكتب التيسير. وهذا واقع ممض يقر به جمهرة المدرسين عن تجربة ومعاينة.

وهؤلاء لو قرأت عليهم ملاحظة بذلك المعنى لابن خلدون عن طلبة عصره لقالوا جميعا بجدتها وراهنيتها، وهي: «فنجد طلبة العلم، بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية، سكوتا لا ينطقون ولا يفاوضون، عنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة».

ويترتب على هذا الوضع في المحصلة تخريج أفواج تلو أخرى، هم من ضيقي الصدور والرؤى، ومن ذوي العلاقات السطحية بالثقافة والإنسانيات، والميالين إلى الانطواء على الزاد المعرفي الزهيد الأدنى، وبالتالي إلى اتخاذ مواقف الدوغمائية المتشنجة من قضايا الفكر والسياسة وأمور الحياة والدين، التي لا يطيق حملها وتدبيرها إلا أهل الدراية والمعرفة الجديةِ الواسعة…

لقد أضحينا في مجال التعليم العمومي أمام معضلة تتبدى كمأساة وطنية يجوز نعتها بهزيمتنا النكراء، معضلة صلبة النشأة، معقدة المفاصل والخيوط، متناسلة الآثار والعواقب: فلا القطاع الخاص الحر يقبل توظيف أفواج المتخرجين، ولا هؤلاء يبغون بديلا عن القطاع العمومي لكونه في ظنهم الأضمنَ والأريح، ولا الوظيفة العمومية المكتظة تستطيع ماليا استيعاب أعدادهم المتكاثرة سنويا.

وهكذا فإن معضلة التعليم إن استمرت على هذه الحال من التفاقم والدوران في حلقات فاسدة، فستهدد (إن لم يكن هذا قد بدأ) مستقبل التنمية نفسها ورهاناتها، وتجعل مغرب الغد ومرافقه العمومية بين أيادٍ قاصرة وسواعد منكسرة، فيُحدث ذلك اطرادا في نزوح ذوي الكفاءات إلى البلدان الغربية أو استفرادَ القطاع الخاص بما يكفيه منها. وتبعا لذلك تتوالد كالفطر مؤسسات التعليم الخصوصي التي ينهج أغلبها سبل الانتهازية والاتجار.

أزمة الثقافة من أزمة التعليم

من مؤشراتها: تردي أحوال القراءة والعزوف عنها، ولا يختلف على واقعها المتتبعون والمهتمون، من مؤلفين وطابعين وموزعين وباعة. ظاهرة تعبر عن فشوها وفداحتها بلاغة الأرقام وحجيتها في سوق الكتاب من كل الأصناف وفي مختلف الحقول والمواد، حتى إن حملات التحسيس التي قد تنظمها موسميا وفي مناسبات وزارات وبعض المؤسسات والجهات لتبدو هي وشعاراتها “عشق القراءة”، “خذ الكتاب بقوة” “إقرأ” وسوى ذلك، مجرد صيحات في واد بلا مردودية ولا تأثير. وقد عاينت متحسرا قلة جدوى تلك الحملات التي كانت وزارة الثقافة -وأنا على رأسها- تسهم فيها بكل إمكاناتها ووسائلها…

إن هذه الظاهرة باتت إذن معطى بنيويا متناميا ينخر المشهد التعليمي والثقافي، ويستدعي دراسات ميدانية وتحليلية، نطَّلع على بعضها بين الفينة والأخرى في منابر صحافية، أو في تقارير مخصوصة، كالتي صدرت مثلا منذ 2003 عن الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، فنصعق بكشوفها ونتائجها عربيا، وتطلعنا على أن معدل القراءة اليومي لا يتعدى في المغرب والبلدان العربية ثلاث دقائق؛ وما زال الوضع حتى اليوم يستفحل، كما أكده بخصوص المغرب استطلاع جمعية “راسين” لسنة 2016.

وإنه وضع يُقابل عموما بموقف الاستخفاف واللامبالاة بدعوى. أننا دخلنا زمن ما بعد المكتوب والكتاب، أي زمن الوسائطيات المتعددة من السمعي-البصري والرقمي وتكنولوجيات التواصل المتطورة. وإن كان فضل هذه الوسائطيات لا ينكر في مجال تحصيل المعلومات وتداولها في وقت سريع قياسي، غير أننا، لا نتثقف بها ولا ننمي الملكات من ذكاء وخيال وذاكرة وحساسية، والتي في نطاقاتها لا تعويل إلا على الكتاب الورقي، ولا غنى عنه ولا بديل.

وبناء على هذا الثابت المؤسس للثقافات الإنسانية عبر كل العصور والأمكنة، لا بد لنا اليوم من أن نضع قيد التأمل والبحث مجمل العواقب المأساوية التي تتمخض عنها أزمة القراءة وتهدد على نحو سرطاني قنوات التلقين والتواصل وأنسجة الثقافة والمعرفة كلها.

إن مضاعفات سوء الوضع التعليمي والتحصيلي، المرتدة سلبا على الثقافة عموما، كثيرةٌ متنوعة، ذكرت بعضها، وهي بدورها مما يبعث النفس على الأسى والحزن… وجماع القول أن قطاع التربية الوطنية والتعليم أمسى في مسيس الحاجة وألحها إلى تدخل الملك محمد السادس، كما بالمثال حول شؤون وملفات أخرى كانت لجلالته في تدبيرها وحلولها اليد البيضاء.

 

عن موقع ” هيسبريس”

الاحد 15 صفر 1439 هجرية/ 05  نونبر 2017.