تعليقي على ما يحدث من حوادث عنف وإجرام و غش و حوادث جنسية في المجتمع المغربي بما في ذلك المدرسة العمومية، ومنها حادث الإعتداء على مدرس بإحدى مؤسسات التعليم الثانوي التاهيلي بمدينة ورزازات بالمغرب الشرقي المحافظ عموما، هو أننا لسنا امام حادث معزول في الزمان والمكان، وأننا في مواجهة ازمة قيم مجتمعية تطورت منذ حوالي عقد ونيف لتصير اليوم مركبة ومنذرة بتحولات وآثار رهيبة مستقبلا.

مبدئيا العنف هو سلوك فطري بيولوجي لا تكتمل ماهية الفرد وسلوكاته إلا به كما يذهب آلان جاكار، فالإنسان قبل أن يكون كائنا عاقلا مفكرا وواعيا هو كائن بيولوجي- ثقافي. وعليه لا يجب محاكمة سلوك العنف بأدوات وخلفيات طهرانية وأخلاقوية وزهدية.

من جهة أخرى فالسلوك العنيف والسلوك الجرمي يتطوران، كما يذهب لذلك علماء الإجرام، بتطور شروط المجتمع وعوامل التقليد والتفاعل والشروط المادية والنفسية، ولهذا تعرف كل المجتمعات تحولات في شكل وطبيعة الجريمة من جريمة تقليدية محلية إلى جريمة منظمة عالمية.

من جهة ثالثة يعكس تطور السلوك العنيف والجرمي في المجتمع والمدرسة تجذر ازمة القيم في المجتمع، ويمكن رد الأمر إلى عوامل مختلفة:

لقد أدى قرار مغربة و تعريب التعليم مباشرة بعد الاستقلال إلى حدوث شرخ ذهني في كيفيات و طرائق ومكتسبات التعلم للأجيال المتعاقبة، كما عزل المتعلمين عن القيم الانسانية الكونية.
صحيح أن القرار الذي تشدد له حزب الاستقلال ورواد الحركة الوطنية ونفذته حكومات البكاي الهبيل وعبد الله ابراهيم واحمد بلافريج، عزز الشعور الوطني للأجيال اللاحقة لكنه بالمقابل جعل هذا الشعور الوطني أكثر تعصبا وتشددا وانعزالا.
لقد أحدث القرار بسبب خلفياته السيادية والسياسية في نفس الوقت حالة من ضعف مناعة المتعلمين أمام الضغوطات الفكرية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية.
وأنتج لاحقا أفراد مسلوبين من كل ملكات التشخيص والتحليل والنقد.

ومن دون شك فالقرار السياسي بتدريس شعبة الدراسات الاسلامية في كل المواقع الجامعية ومضاعفة معاملات مادة التربية الاسلامية وتعزيز عرض التعليم العتيق، والتضييق بالمقابل على شعبة الفلسفة في سبعينيات وثمانينيات القرن 20 اأدى عمليا إلى تفقير الفكر النقدي الحر المتشبع بالقيم الانسانية الكونية.

وزاد قرار تقننة التعليم بهدف سد حاجات السوق من الأطر التقنية من تقنيين ومهندسين..من تعرية المتعلمين والمتعلمات من القيم العقلية والنقدية والروحية والوجدانية والتواصلية وتحويل المتعلمين الى مجرد أجساد تقنوية دون روح إبداعية.

ركزت التقارير الأخيرة للمجلس الأعلى للتعليم على التخبط والتدافع السياسوي الذي يطبع السياسات التعليمية ويؤثر سلبا على مكتسبات المتعلمين معرفيا وبالتالي سلوكيا.

الخلاصة أن المدرسة هي مصدر القيم المجتمعية وصمام أمان المجتمع، وأن تأمين المجتمع من العنف والجريمة لن يكون الا برد الاعتبار للمدرسة العمومية.
في تقديري أن رد الاعتبار للمدرسة العمومية يمكن ب:

– الايمان بأن المدرسة فضاء للتعلم وتخليصها من الهواجس الايديولوجية والامنية.
– خلق التوازن الضروري بين البعد التقني والانساني في المقررات الدراسية.
– تحسين أجور العاملين في قطاع التعليم على غرار رجال السلطة.

 

الثلاثاء 17 صفر 1439 هجرية / 07 نونبر 2017.