تكاثرت في الآونة الأخيرة حالات الاعتداء على الأساتذة داخل الأقسام، وفي حرم المؤسسات التعليمية من طرف التلاميذ. وتتنوع هذه الاعتداءات بطرق متعددة، أبرزها الاعتداء الجسدي الذي استهدف أطرا تربوية، وخلف أحيانا جروحا، وأحايين عدة، الضرب المبرح بل وأصبحت الاعتداءات اللفظية سلوكا شبه يومي يتم تسجيله هنا وهناك.
لقد تم دق ناقوس هذا الخطر الداهم منذ سنوات والتحذير من استفحاله و من عواقبه وتداعياته. وصدرت دراسات وإحصائيات، ونظمت ندوات تمحورت كلها حول هذا العنف، الذي يستشري بمدارسنا .ونذكر في هذا السياق، ما سبق أن تم الإعلان منه قبل أربع سنوات، وهو أن هناك نسبة 66% من حالات العنف المدرسي تقع داخل المؤسسات التعليمية، و34% منها تحدث في محيط المدارس، كما أن أكثر من 67% من السلوكيات المنحرفة المسجلة تقع بين التلاميذ أنفسهم، بينما تتوزع 23% المتبقية بين العنف في حق الأطر التربوية من طرف التلامذة، أو من طرف أشخاص غرباء عن المؤسسات التعليمية…

إن العنف والجريمة داخل الحقل التعليمي،يكشفان عن مدى التدهور الذي يلحق بالمنظومة التربوية على العموم.
فبدل أن تقوم المؤسسات التعليمية بأدوارها المنوطة بها، هانحن نقف اليوم على حقائق مروعة بأن وظيفتها يتم المس بها وتتراجع موسما دراسيا بعد موسم . لقد أبرزت عمليات التشخيص، التي قام بها العديد من الفاعلين، أن هناك اختلالات عميقة ناتجة عن عدة عوامل ،بعضها مرتبط بأوضاع البنيات وبمستويات التأطير، وبعضها له علاقة وطيدة بالتحولات المجتمعية التي يعرفها المغرب، وبنسيج القيم التي تفرزها هذه التحولات، كما أن هناك ركاما من التوصيات التي أنتجتها الندوات المحلية والجهوية والوطنية المتعلقة بالعنف المدرسي، لكنها توصيات بقي جلها حبرا على ورق، ولم تجد طريقها للإعمال والتطبيق.

إن إدانة العنف، الذي يطال الشغيلة التعليمية، قضية مبدئية. فهذا السلوك العدواني مرفوض جملة وتفصيلا، ويتطلب من جهة ، التضامن مع الضحايا، ومن جهة ثانية، اتخاذ المبادرات التربوية والقانونية للحد من هذه الظاهرة . وهنا نشيد بالمذكرة، التي عممتها مصالح وزارة التربية الوطنية يوم أمس بشأن التصدي للعنف والسلوكات المشينة بالوسط المدرسي، والتي أكدت على عدد من المبادئ الأساسية، واعتزمت اتخاذ عدد من التدابير التربوية والإدارية ، وذات الطبيعة القانونية والأمنية . لكن ليس وحدها المذكرات الكفيلة بالتصدي للظاهرة،بل يجب اتخاذ مبادرات وإجراءات أعمق، وفي مقدمتها القيام بإصلاح المنظومة التربوية، وإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية، وتكريس القيم النبيلة في الاحترام والتسامح، وجعلها مؤسسة تربوية محتضنة للعلاقات الإنسانية المنفتحة والسليمة القائمة على التعايش والتكافل والعمل الجاد، وتنويع الأنشطة بالمؤسسات التعليمية، واعتماد تصور موسع للعملية التعليمية، كي لا تقف عند الفضاء المغلق للمدرسة، بل تستهدف توسيع مجالات التعليم لتشمل الأنشطة الممكنة خارج الفصل الدراسي، مع توجيه منظومة التربية والتكوين، نحو تحقيق التفاعل الإيجابي مع المحيط الاقتصادي والاجتماعي…

ما أحوجنا اليوم، أن نردد ذلك البيت الشعري الذي ترسخ في أذهاننا :

قم للمعلم وفِهِ التبجيلا  *** كاد المعلم أن يكون رسولا

فلنعمل جميعا لحماية معلمينا وأساتذتنا وأطرنا التربوية ومدرستنا العمومية.

 

الجمعة 20صفر 1439 هجرية /   10نونبر 2017.