شهِد التاريخُ السياسيّ العربيّ المعاصر، والتاريخ الإيديولوجيُّ السياسيُّ (والحزبيّ) منه على نحوٍ خاصّ، على صُوَرٍ مختلفة من التعبير عن (النزعة) العدميّة السياسيّة في تفكير قوًى من العمل السياسيّ مختلفة،

وفي مواقفها تِجاه الأوضاع السياسيّة العامّة وتجاه بعضها. ولقد أخذتِ العدميّةُ تلك أشكالاً ثلاثة على الأقلّ: إنكار المقابل وعدّهُ معدومًا، استصغارَ شأن كلّ مكسب أتى من جانب مَن يُعَدُّ خصمًا معاصرًا، ثم الطّعنَ على «ذوي القربى» الإيديولوجيّين والسياسيّين ورفضَ الاعتراف لهم بأيّ سهم، وأحيانًا، حتى بالحقّ في الوجود! وفي صُوَر التعبير تلك عن النزعة هذه، لم يكُنِ الأمرُ يتعلّق بفريقٍ إيديولوجيٍّ – سياسيٍّ واحد يجوز تمييزُهُ من غيره بكونه عدميًّا، أو مصابًا بمرض العدميّة السياسيّة، وإنما تَقَاسَم التعبيرَ عنها، والتمسُّك بها- مَن دخلوا معترَكَ السياسة والعمل السياسيّ من التيارات والقوى كافّة، مع اختلافٍ بينها في درجاتِ الإصابة (بالمرض) يعود (أي الاختلاف) إلى أسبابٍ في جملتها قُربُ كلِّ واحدٍ منها أو بُعْدُهُ من مراكز السلطة والقرار أو، قُل، نجاحه – أو عدم نجاحه- في الوثوب إلى السلطة وتصيير عدميّتِه إيديولوجيا رسمية وسياسية معتَمدة، وإنْ كان من الأَبْدَه أن يُشَدَّد، هنا، على أنّ المقالة الإيديولوجية العَدَميّة ليست وقْفًا – ولم تكن يومًا وقفًا- على بلوغ حَمَلتها السلطَة حتى تفشُوَ ويكون لها في الجُمهور سلطان، فكَمْ من خطابٍ معارِض كان أوسع مدًى في الانتشار الاجتماعيّ من خطاب السلطة القائمة، وخصوصًا حين يكون خطابُها – والغالب عليه أن يكون- واقعيًّا لاحَظَّ للطّوبَى فيه.

لو أخذنا المائة عامٍ الأخيرةَ من تاريخنا السياسيّ العربيّ، ومن تاريخ العلاقة بين القوى والتيارات السياسيّة فيه، وأمْعَنَّا النظر في سماتِه وفي حصيلة العلاقات تلك، لتبيَّنتْ لنا – على نحوٍ من الجلاء كبيرٍ- الأشكالُ الثلاثة، المشارُ إليها، من تَمَظْهُر نزعة العدميَّة السياسيّة في مواقف القوى تلك وأفعالها:

في شكلٍ طاغٍ من العدميّة السياسيّة ساد منزِعٌ من إعدام اللاحق السياسيّ للسابق، تأتي نخبةٌ إيديولوجيّةٌ- سياسيّة جديدةٌ إلى السلطة، سلطة الدولة، أو تحملها الأوضاعُ إلى سُدّةِ السلطان الإيديولوجيّ الضارب في المجتمع، فلا تفعل – أوّل ما تفعل- سوى جبّ ما قبْلها، ومَحْو آثاره وكأنه لم يكن، ثم الادّعاء بتأسيس بدايةٍ صِفْرية! فعلتِ النخبةُ، والأحزاب، الليبراليّةُ العربيّة ذلك – في حقبة ما بين الحربيْن- حين حكمت ببطلان الدعوة إلى وحدة الأمّة (التي أطلقتْها «الثورة العربيّة» في العام 1916)، أو التي دغدغت عواطف تيّارٍ إسلاميٍّ أصاليّ مجروح الكرامة بعد إلغاء الخلافة في العام 1924. ولم تَكْتَف النخبةُ هذه بتجاهُل المسألة الكيانيّة – التي فَجَّرها انفراطُ الإمبراطورية العثمانيّة والاحتلال الاستعماريّ للبلاد العربيّة- بل زادت على ذلك بدحض دعواها، والتسليم بما تولَّد عن التمزيق الكولونياليّ من كيانات (وطنيّة، قطريّة) عربية، في مقابل التشديد على أنّ مسألة المسائل في الاجتماع العربيّ هي المسألة السياسيّة، مسألة بناء الدولة الحديثة القائمة على الدستور والحرّيات.

ومثل الأولى (النخبة الليبراليّة) فعلتِ القوى القوميّة العربيّة حين بات لها شأن فكري وإيديولوجي، في سنوات الأربعينات من القرن العشرين، ثمّ شأن سياسي بدءً من سنوات الخمسينات من القرن عينه، فهي ما اكتفتْ بأن قَدَحَتْ في التيار الليبراليّ ووطنيّتِهِ، متّهمةً إيَّاهُ بممالأة قوى الاستعمار والتحالف مع الإقطاع وكِبار الملاّك، وإهدار المسألة القوميّة من طريق التسليم بواقع التجزئة فحسب، بل زادت على ذلك بتسفيه قضيته (الحريات والديمقراطيّة) وبيان مجافاتها لقضية وحدة الأمّة بحسبانها، عند التيار القوميّ، أمّ القضايا وثالثة الأثافي في الوجود والمصير. وإذا كان القليلُ من القوميين العرب شذَّ عن هذا النحو من النظر، وانفرد – في نوعه- بإيلاء مسائل الحرية والديمقراطيّة والبناء السياسيّ الحديث مكانةً معتَبَرة (وتلك حال د. قسطنطين زريق وحال ياسين الحافظ مثلاً)، فإن هذا النوع من الخطاب ظلّ فكريّاً وأكاديميّاً، ولم يَلْق له جمهورَه السياسيّ الذي يحمله ويُنْفِذُ أمرَه ويغيّر به، بالتالي، نظرةَ القوميين إلى مَن قبْلهم.

وما كان التيّار اليساريُّ، الشيوعيُّ ثم الماركسيُّ- اللينينيّ (اليسار الجديد)، أقلَّ حدّةً في القدْح في الفكرة القوميّة الوحدويّة من قدْح التيّار القوميّ في الفكرة الليبراليّة، بل تفوَّق عليه في ذلك مضيفاً الفكرةَ الليبراليّة إلى قائمة ضحايا نقده، ومشتدّاً في النّكير عليها بما لم يَقْوَ عليه التيّارُ القوميّ الذي أزاحها، بالقوّةِ، من المشهد. وبمثل ما نَظَر القوميُّون إلى أفكار الحرّية والدستور والنّظام التمثيليّ نظرةً شزراء، فعدُّوها مَعْبَثَةً وملهاةً وتفرقةً للأمّة، نَظَر اليساريّون إلى فكرة الوحدة القوميّة بوصفها فكرةً برجوازيةً سوّقَتْها نخبةٌ سياسيّةٌ برجوازيّةٌ صغيرة لمصلحةِ طبقةٍ (برجوازيةٍ كبيرة أو كومبرادوريّة) تبحث لها عن سوقٍ قومية لتعظيم مصالحها، ثم لمصلحتها هي (أي النخبة) كطبقة ناحيةٍ منحى التَّبرْجُز، ومستندة في سلطتها إلى نظام علاقات الإنتاج الرأسمالية.

وحين انتهى إلى التيّار السياسيّ الإسلاميّ السلطانُ الإيديولوجيُّ السياسيّ، بلغتِ العدميّةُ السياسيّةُ معه «من العَلْياءِ كلَّ مكانِ»، على قولِ أبي الطيّب المتنبّي، فمَعَ الإسلاميّين ومقالاتهم في «الدولة الإسلامية» وحاكميّة الشريعة ووجوب تطبيقها وإخضاع نظامِ الحكم لمقتضياتها، تساقطت – كحبّات العنب- أفكارُ الحرّية والدستور، والوحدة القومية، والاشتراكية، والتوزيع العادل للثروة، لِتسقُط – في أعيُنِهم- بتساقُطها كلُّ شرعيةٍ لها. وإذا ما تجاوزْنا سيْل الاتّهامات الرَّخيصة التي كيلتْ من الإسلاميّين لخصومهم العلمانيّين (وطنيّين، وليبراليّين، وقوميّين، ويساريّين)، ومنها دمْغُهم بتهمة الإلحاد وعند العفْو والتّواضُع، بالتَغرْبُن والاستلاب الحضاريّ، فقد بَدَت أفكارُ هؤلاء العلمانيّين الإسلاميّين دخيلةً مدسوسةً ولا تجيب حاجة الشعوب المسلمة إلى العَوْدِ إلى نظامها الإسلاميّ والاعتصام بحبْله لمواجهة «الغزو الحضاريّ»، وصوْن الشخصيّة والهويّة من المسْخ والتبديد والمحْو.

وبالجملة، هكذا كنّا – في هذه الصورة للعدميّة السياسيّة- أمام حالٍ من المحْوِ والإعدام يتشاركُ الجميع في نسْج خيوطها: اللاحقُ يَجُبُّ السابق ويَمْحو اسمَه ورسْمَه، ويقرِّر للتاريخ بدايةً هيَ هُوَ، أو هيَ مقالتُهُ هو من دون سواه. هكذا تحكُم العدميَّةُ السياسيّة على نفسها بأنها نزعة لا تاريخيّة وطريقة من تفكيرٍ لا ذاكرة له!

 

 عن التجديد العربي
الخميس 26 صفر 1439 هجرية/ 16 نونبر 2017.