رحلة الملك محمد السادس إلى الإمارات العربية المتحدة ثم إمارة قطر تختلف عن زيارات الملك السابقة إلى دول الخليج أو لحضور دورة مجلس التعاون الخليجي.

الزيارات السابقة زيارات أخوة وصداقة وعمل..وزيارة اليوم هي زيارة عمل يختبر فيها الملك قدرته على تقريب وجهات النظر المتباعدة بين دول مجلس التعاون الخليجي منذ إنشاء قوات عربية مشتركة لحل أزمة السلطة في اليمن.

وموضع حساسية المهمة هو الأوضاع المستجدة في المنطقة، إذ أن المهمة كانت ستكون أسهل نسبيا لو استمر التجاذب بين محور السعودية- الامارات المتحدة من جهة ومحور قطر من جهة أخرى. فالأواصر الأخوية التي تربط المملكة المغربية بالبلدان الثلاثة ربما تساعد على تحقيق حد أدنى من التفاهمات، لو لم تنضف إليها المعطيات في الداخل السعودي واستقالة رئيس الحكومة اللبنانية من داخل التراب السعودي.

الأوضاع ساخنة أكثر في الخليج والملك، بهدوئه ونضجه وما يتوفر له من معطيات سياسية داخلية ومن تداعيات دولية لهذه المعطيات في العواصم القوية وفي أوساط المال والأعمال، يتصرف بتريث و ذكاء مع الوضع وفق حد معقول من الأهداف.

لم تتسرب لحد الساعة معطيات حول فحوى المناقشات بين قيادات البلدان الثلاث باستثناء البيانات الرسمية التي تكون في مثل هذه المناسبات، لكن يبدو أن انخفاض حجم التوتر في الخطاب هو ربما نتيجة من نتائج الزيارة.
إذ المعلوم في أدبيات التفاوض أن أول خطط الوسطاء هي تنزيل سقف الاتهامات والاتهامات المضادة ليمضي بعد ذلك إلى البحث حول أرضية مشتركة بين الأطراف في الحد الأدنى، وينتقل بموازاة مع ذلك في البحث عن قناعة مشتركة في الحد الأدنى بتكلفة التباعد وجدانيا واقتصاديا وسياسيا ، على مستوى داخل هذه الدول واقليميا.
لا تتوفر لحد الساعة أرضية مشتركة لأطراف الأزمة لكن عقد اجتماعات لمجالس الوزراء ومجالس حكومات هذه البلدان بجداول أعمال تنكب على الأوراش الاقتصادية والاجتماعية الداخلية دون التطرق للعلاقات الاقليمية في نقط فريدة كما حدث الى حدود نهاية الأسبوع الماضي يشي بتوجه مركزي نحو الإبقاء على الأزمة في حدود معقولة.

كما يجب الانتباه إلى اللقاء الثلاثي بين الملك محمد السادس وإيمانويل ماكرون وحاكم دبي على هامش تدشين متحف اللوفر بالامارات المتحدة وما تلاه من دور فرنسي في احتمال عدول السيد سعد الحريري عن استقالته من رئاسة الحكومة اللبنانية مقابل حياد الدولة اللبنانية والأطراف السياسية الشريكة في الجهازين التشريعي والتنفيذي في علاقتها بالصراع بين إيران والسعودية.

إن تحييد جبهة لبنان أو على الأقل تأجيلها سينفس الضغط على السعودية وبشكل غير مباشر على مواقف السعودية تجاه قطر، وسيكف ظرفيا يد إيران في تأجيج الصراع عبر تحريك شريكها في لبنان حزب الله.

وبغض النظر عن حجم النتائج المنتظرة من المهمة الملكية، فالملك يقف على أرضية صلبة عناصرها هي:

– تراكم خبرات المملكة المغربية في تقريب وجهات النظر بين أطراف الصراع منذ خوض الراحل الحسن الثاني في الملف الفلسطيني- الإسرائيلي وإحداث إطار ” لجنة القدس” كلجنة دعم مالي ولوجيستيكي بأهداف سياسية حسب طبيعة الأوضاع والظروف.
وكذا تدخل المملكة لحل نزاعات حلفائها خصوصا في إفريقيا.

– التوجه الجديد للمملكة في حل النزاعات أو تخفيف حدتها خصوصا في إفريقيا عبر الآلية الاقتصادية بدعم من الآلية السياسية.

– نجاح المملكة المغربية من خلال تقريب الملك محمد السادس لوجهات نظر أطراف الصراع في الأزمة المالية عبر مجالسة الحكومة المالية و أزواد مالي ضمن خطة توافق وطني قبل حوالي ثلاث سنوات.

– استحقاق المملكة لثقة دولية في حدود معقولة قياسا على انفتاح المملكة على شركاء سياسيين واقتصاديين مختلفين ومتعارضين في بعض الحالات بتعارض مصالحهم وطموحاتهم السياسية والاقتصادية، وهو ما يفسره نجاح المغرب في إحداث لجان عمل عليا مشتركة مع قوى كبرى متفاوتة الطموحات والأهداف الدولية كروسيا والصين والاولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي..

– إن حرص المملكة المغربية على تحديد حجم العلاقة مع مجلس التعاون الخليجي في حدود الشريك الاستراتيجي عسكريا واقتصاديا دون الاستجابة لطلب الالتحاق كعضو كامل العضوية كان تقديرا جيدا من المملكة المغربية لتداعيات المسافة الممكنة والضرورية مع المجلس.

إن هذا الاختيار الذي كان صعبا و محرجا في حين تبينت فاعليته اليوم، فالحفاظ على وضعية الشريك المستقل ساعدت على الحفاظ على نفس العلاقة مع جميع أطراف مجلس التعاون الخليجي وهو ما يجعل من المملكة المغربية اليوم وسيطا مقبولا ومرحب به من كل الأطراف.

وهذا ما كشفته مستويات الاستقبال في الامارات المتحدة وفي قطر، وجلسات المحادثات التي تلت الاستقبالات الرسمية.

وفي الأخير فالعلاقات التاريخية والوشائج الدموية لها دورها في قبول الوسطاء والعمل بمقترحاتهم، لكن لا يبدو أن الأمر يتعلق بمسلمة مفروغ منها، فعدد من الدول العربية لها علاقات تاريخية وأواصر دموية وحضارية مع أطراف الأزمة بداية بمصر والجزائر وغيرها..لكن لا يمكنها أن تحقق مكاسب من تقريب وجهات النظر أو حتى قبول مقترح تقريبها لوجهات النظر، ليس فقط لأنها بشكل ما طرف بشكل أو بآخر في الأزمة أو لأنها تبنت طرح أحد أطراف الأزمة، ولكن لأن تلحيم العلاقات التاريخية والسياسية والدموية يحتاج كياسة وأناة وبعد نظر في تدبير هذه العلاقات وتدبير تشابكاتها.

عندما حل الملك محمد السادس بمجلس التعاون الخليجي بدعوة من أمانة المجلس وعندما حل بمنظمة الاتحاد الافريقي بعد قبول عودة المغرب للمنظمة، تكلم الملك بنفس نقدي وبخطاب تقدمي تأسست أرضيته برافعة اقتصادية وتنموي.

في الخطابين كلاهما ترفع الملك عن الحسابات الجغرافية والاقليمية وتوجه الى مستقبل أخر بممكنات أخرى.
ويبدو أن وضع المملكة في علاقتها بالقارة الإفريقية وبمجلس التعاون الخليجي جيد جدا ويسمح بربح منسوب جديد من الثقة والإيمان بقدراته ونواياه.

وبمزيد من الدمقرطة الداخلية وخلق شروط تنمية أوسع وأعمق ستكون المملكة مخاطبا أكثر مصداقية وأكثر ريادة.

د.سعيد جعفر :
باحث في التواصل السياسي وتحليل الخطاب.

 

الخميس 26 صفر 1439 هجرية / 16 نونبر 2017.