يتأرجح هذا الموضوع بين «البقشيش» لعاملة النظافة أو الممرضة وبين الرشاوى بالمليارات. وله أسماء أخرى أكثر تهذيباً مثل «الإكرامية». فالمعطي يكرم من يُعطى إليه. وبالفرنسية يستعمل لفظ «من أجل الشراب» Pour-boir، وفي الألمانية شيء شبيه مثل «مال الشراب» Drinken-Gelt. والإنجليزية أقساها، إذ تستعمل لفظ Tip ويعني ما يعطى في الخفاء. واللفظ الشعبي العامي «بقشيش». ويعني فيض الكريم. وكذلك لفظ «وهبة» من هبة أي تبرع وعطاء.

والسؤال هو: إذا نقلت الصحافة كل يوم عن فساد الكبار ورشاواهم وتهريب المليارات إلى الخارج بتوريد النفط من سيناء إلى إسرائيل، فلماذا لا يَفسد الصغار لإعانتهم على لقمة العيش؟ ماذا يفعل الفقراء مثل موظفي الدولة وأمناء الشرطة كي يطعموا أولادهم لا أكثر من الخبز الحاف وإن استطاع «الغموز» فالفول والطعمية والعدس. واللحوم بأنواعها، من حيوانات ودواجن وأسماك لا تخطر على بال! ماذا يفعل في غلاء الأسعار التي تضاعفت أربع مرات والحجة ارتفاع الدولار حتى للجرجير والكرات والبقدونس؟ وإذا فسد الكبار جشعاً، فلماذا لا يفسد الصغار لقوت العيش؟ إنه الفقر «والله لو كان الفقر رجلًا لقتلته». وما زالت الأسعار في ارتفاع طيلة العقود الماضية، الكهرباء، الغاز، المحروقات، المواصلات حتى مياه الشرب. فالفقير معذور ولكن الأغنياء وكبار رجال الأعمال لا عذر لهم.

وقد كان من ضمن وعود الحكومة للمواطنين خلال العقود الماضية لاستخراج الأوراق الرسمية، شهادة ميلاد أو شهادة وفاة أو ما بينهما من تصريح للعمل أو بطاقة تموين أو بطاقة شخصية أو رخصة قيادة سيارة أو بناء منزل اعتماد ذلك كله من شباك واحد. وتسمى الورقة ذات الشباك الواحد الذي لديه جميع الموافقات والإمضاءات الضرورية. وهو وعد مثل كل الوعود، إعادة بناء العشوائيات، مد شبكات المياه والصرف الصحي للقرى المحرومة منها، توفير احتياجات المواطنين. ومنها أيضاً ربط الصحراء الشرقية بين وادي النيل إلى ساحل البحر الأحمر بشق قنوات نيلية جديدة كما شق محمد علي القنوات لتوسيع الوادي، وشبكة طرق جديدة، وإنشاء مدن تملأ الفراغ الصحراوي قريبة من الجهة الشرقية للنيل وساحل البحر الأحمر الغربي. كذلك ربط الواحات الخمس في صحراء مصر الغربية بمنخفض الفيوم وجعلها جميعاً صالحة للزراعة والإسكان، ورسم خريطة جديدة لمصر. وهي خريطة بالعرض عبر الصحراء لا بالطول كما جرت العادة على ضفتي النيل.

ليست القضية قضية أخلاق، جشع موظف بل هو أحياناً الاحتياج. ماذا يفعل الموظف أو أمين الشرطة ومرتبه لا يكفيه هو وأولاده؟ والمرتب قد لا يكفي ثمن طبق واحد مما كان يراه من وراء الحائط الزجاجي في الفنادق الكبرى التي يحرسها، وقد ثارت جموع الشعب في يناير 1977 ضد غلاء الأسعار مما اضطر الحكومة إلى التراجع. هي الأوضاع الطبقية في المجتمع التي تعطي جمهور الشعب الملاليم وكبار رجال الأعمال والتجار الملايين. فإذا قضي على الفساد الأكبر أمكن بسهولة القضاء على الفساد الأصغر.

ويحتاج ذلك إلى وقت طويل للتغلب على البون الشاسع بين الأغنياء والفقراء، والتخلص من عادة «المعلوم» كمصدر ثان ضروري لتوسيع الرزق للأسرة متعددة الأفراد. كما يحتاج الأمر أيضاً إلى بعض الوقت للتخلص من الصورة الذهنية لمن ينتظر الإحسان بعدما يؤدي واجبه الوظيفي الذي يأخذ في مقابله مرتبه الذي لا يكفيه. وانتظاراً لذلك ما أسهل أن تحقق الدولة وعدها بالورقة ذات الشباك الواحد. فهو حق المواطن وواجب الدولة حتى يستطيع المواطن أن يؤدي واجبه ويعطي الدولة حقها. ولا يشعر بالنقص أمام المجتمعات الأخرى. فهو قادر على أن يحقق ما يريد داخل وطنه.

 

الاثنين 01 ربيع الاول 1439هجرية / 20 نونبر 2017.