(1)

في ثلاث ليالي متتالية من النبش والنقاش، خرجت “أنفاس بريس” بانطباع يعزز مكانة الشيخ عمر الزيدي التماني، ليتم تصنيفه صقرا من صقور تراث فن العيطة، بكل تفرعاتها، بعدما قلبت صفحات ذاكرته الفنية والطربية والغنائية.. كيف لا يكون “صقرا” وهو الذي ترعرع واشتد عوده في “عش الفن” بحي مولاي الحسن القريب من سيدي عبد الكريم وواد الباشا وجنان الشقوري، تلك الفضاءات التي تعتبر مفاتيح أبواب ومعالم مجال جغرافية عبدة الساحرة لولوج عاصمة السمك والفخار مدينة أسفي. من هذا المغرس والمنبت حلق الصقر بجناحين متوازنين نحو الأفق الرحب مسجلا مساره الفني رفقة العديد من الشيوخ والشيخات، كاتب كلمات وملحن وعازف وضابط إيقاع ومغني وحفاظ للقصائد “الشعبية” بمختلف أصنافها ومواضيعها. ضمن هذه السلسلة من سفرنا الفني مع صقر فن العيطة نقدم للقراء الحلقة الأولى

.

صقر العيطة العبدية الذي رأى النور سنة 1955، جمعت أسرته بين النقيضين في شرايين دم الانتماء والانتساب البيولوجي “الواليد امبارك بن أحمد أصول زيدية. وأمي خديجة بنت عباس من أصول تمرية”، يقول الشيخ عمر الزيدي، بمعنى أنه عاش في كنف أم تمرية وأب زايدي تحت سقيفة “المصالحة” بين أولاد زايد وبين التمريين من دار القايد عيسى بن عمر. فمنذ ربيعه العاشر وهو يصغي ويلتقط بأّذن السميع لأغاني العيطة بالأعراس والحفلات (خربوشة، ارجاني في العالي، تكبت الخيل عل الخيل، حاجتي في كريني…)، وعن طريق الأسطوانات والأشرطة.. “لم نكن نعطي أهمية للأغاني العصرية والجديدة إلا قليلا. لقد عشقنا في تلك الفترة أغاني مجالنا العبدي”. ومن تم فطن بحدسه البريء إلى عمق الصراع بين اولاد زيد وإيالة القايد عيسى بن عمر، الذي يعتبر أن قصبته كانت بمثابة كلية ومنبع “فن العيطة”.

من طرائف هذا التلاقح الإنساني يحكي الرجل عما سمعه من لسان والدته خديجة بنت عباس التمري مبتسما “لقد مازحني والدك ذات يوم ونحن في الطريق من دوار أولاد زايد على متن ظهر دابة، وقال لي هل شممت رائحة الموت المنبعث من هذه الآبار المتفرقة للاخديجة. هنا كان يرمي القايد عيسى معارضيه من أولاد زايد، سأنتقم لأجدادي برميك داخل هذا القعر، لأنك تمرية النسب… وضحكت”. ويضيف صقر العيطة المنحدر من أصول تلاقحت بين التمريين واولاد زيد أنه سمع غناء العيطة أول مرة، وردد البعض من متونها التي أطربته وجذبته بمضمون كلماتها الساحرة والعميقة بمنطقة أولاد زيد أصل والده امبارك بن أحمد الزيدي.

“مارست هواية الغناء في كل المناسبات التي نحتفل بها كأطفال في درب مولاي الحسن، وخصوصا مناسبة عاشوراء رفقة زملائي أبناء الحي، أول مرة أحسست بأني مشدود لفن العيطة، كنت أتابع دراستي آنذاك بالمستوى الابتدائي بمدرسة النصارى، التي تسمى اليوم مدرسة مولاي الحاج المختلطة المتواجدة بالقرب من دار العامل، في تلك الفترة مالت نفسي إلى حفظ مختلف “لقصايد” وكنت “مولوع” أتميز بحفظ أغلب أغاني الطرب الشعبي الأصيل وفن العيطة. وأغاني الساكن (الجذبة والحضرة)، على اعتبار أنها أغاني صوفية تمدح كرامات الأولياء والصالحين. وإلى حدود اليوم فأنا مغرم جدا بقصائد فن الملحون والأندلسي ..”

(2)

“تتزاحم صور شخصيات فن العيطة في ذاكرة السي عمر الزيدي ليستحضر الإرهاصات الأولى حين تفاعلت أحاسيسه الفنية مبكرا، وعشق مختلف “العيوط والقصايد والبراويل”، التي كان يتغنى بها ثلة من الشيوخ رحمهم الله وهو يسترق السمع لهم ويتتبع مسارهم عن قرب، مثل لعرج ولغليمي، الخماري والبيض، والسي محمد بلعياشي، والسي الجيلالي ومحمد ولد رامو، والسي بلحسن، وسيدي أحمد بلهردة المنتسب للغليميين، وآخرين لا يتسع المجال لذكرهم واحدا واحدا. إنهم رواد فن العيطة الهامات الباسقة، التي جمعها شمل درب مولاي الحسن، الذي يعتبر علامة بارزة في تكوين شخصية صقر فن العيطة الشيخ عمر الزيدي.

“كان درب مولاي الحسن ملاذا للأمن والاستقرار والتضامن الاجتماعي، وفضاء عائليا كبيرا اندمج فيها الجميع دون تمييز، لا فرق بين الغني والفقير، بين لمديني ولعروبي، مما جعله قبلة للعديد من الشيوخ والشيخات الممارسين لفن العيطة الحقيقية.. وكانوا محطة تقدير واحترام من طرف كل العائلات العبدية والمسفيوية”، يقول السي عمر. ويتذكر بفرحه الطفولي كيف نما جدعه وترعرع فنه اليانع بالقرب من جارهم الشيخ الرائد السي محمد الدعباجي، وجارتهم الشيخة المحترمة والقديرة للاعيدة. “كنت منبهرا بملامح وجوههم الجميلة، وبأصواتهم الطروبة، وأدمنت على إصغاء والاستماع لأغانيهم العيطية منذ صغري، شربت بحب من صفاء ينبوع عزفهم وإيقاعتهم وغنائهم المتميز مثل سائر ساكنة الحي”.

ويستحضر في حكيه الشيق مسار الشيخة البوعنانية رحمة الله عليها رفقة زوجها الشيخ الهاشمي الذي لقنها المبادئ الأولى للعزف على الكمان، وأختها التي رافقتها في ذات المجموعة والتي كانت ضابطة إيقاع متفرد “الشيخة البوعنانية وأختها كانتا تنحدران من دوار أولاد بوعنان بمنطقة جمعة سحيم بإقليم أسفي. وكانت البوعنانية محطة تقدير من طرف العائلات المرموقة والمشهورة، سواء بأسفي أو بالدار البيضاء ومناطق أخرى من المغرب، وكانت تحيي أعراسهم وحفلاتهم الخاصة آنذاك بسخاء وكرم، لأنها كانت تجمع بين العزف والطرب وغناء العيوط فقط بطريقة رائعة جدا. كانت “حفاظة” تحفظ بنهم أغلب أغاني العيطة، ولا تغني سوى العطية، مما جعلها مرجعا حقيقيا في تلك الفترة”.

يعتبر الشيخ عمر الزايدي الذي يتقن فن العيطة عزفا وإيقاعا وغناء أن “نظم العيطة وغنائها تم على صهوة الخيول أثناء السفر والترحال، من منطقة إلى أخرى، وتم ضبط إيقاع موازينها أيضا على خطوات سنابك الخيل البطيئة والسريعة”. لذلك فهو يعتقد بأن قصبة عيسى بن عمر “كانت بمثابة كلية لفن العيطة ونقطة تلاقح متونها ومواضيعها المتنوعة، ومنها خرجت أغلب أغاني العيطة”. ولتفسير وجهة نظره هذه، يؤكد صقر العيطة أن “أغلب قياد المغرب كانت تجمعهم مع دار القائد عيسى علاقات إدارية وحربية واقتصادية واجتماعية وفنية، وكانت قصبته بنية استقبالية لجل شيوخ وشيخات العطية من مختلف المجالات الجغرافية بالمغرب، والذين تنافسوا في تقديم أجود ما لديهم من غناء ونظم لتبليغ رسائلهم على جميع المستويات”، يقول السي عمر الزيدي دون تردد.. مستدركا بأنه في “زمن القياد لم تكن وسائل الإعلام متوفرة مثل اليوم، وكانت جلسات الطرب والغناء فرصة للاستئناس والسمر وتبادل المعلومات والأخبار، بين القياد والأعيان والعلماء والفقهاء، وكانت تتخللها عروض التمثيل والمسرح، من طرف فرق الشيوخ والشيخات..”.

وينتصر “الصقر” في سفر حكيه الفني، للعيطة “القصباوية” التي احتلت مكانة جد متميزة بالمقارنة مع باقي “لعيوط” على اعتبار، يقول عمر، أن “العيطة القصباوية كانت تؤديها مجموعات غنائية من الشيوخ تحت الطلب، وتقدم أمام صفوة إيالة القائد وعائلته وزمرته وضيوفه، من قياد وأعيان وتجار وفقهاء وعلماء وواصفين داخل القصبات في مناسبات معينة، ويمنع على المجموعة أن تقحم مفردات ساقطة في أغانيها، حيث تستعين بكلمات ذات دلالة رمزية في الوصف، وتجتهد في انتقائها حتى لا تسقط في المحظور”…

(3)

يقول “صقر العيطة” السي عمر الزيدي أن الرواية الشفاهية التي سيحكي عن الشيخة عبوش، قد تناقلها الرواة بمنطقة الشياظمة، التي مازالت قصبة القايد حجي شاهدة على تلك الفترة التاريخية، ووصل صداها إلى تخوم مجال عبدة الساحرة، وتناقلها شيوخ العطية آنذاك .

 في فترة القايد حاجي بمنطقة الشياظمة كانت شيخة تسمى قيد حياتها بالشيخة عبوش الهداوية رحمها الله وقد حملت لقب “الهداوية” حسب رواية الشيخ عمر الزيدي في “مناسبة الاستعداد لرحلة صيد بالخيول وكلاب السلوقي رفقة أحد أفراد عائلة القايد حجي ومن معه، وكانت الشيخة عبوش ضمن المرافقين لرحلة الصيد في شعاب ووديان وهضاب منطقة الشياظمة، وفي الوقت الذي كان كل فرد يختار الدابة أو الراحلة التي ستقله من أحصنة وخيول، اكتفت عبوش باختيار بغلة، بعدما سألت عن نوع الدابة التي ستمتطي في الرحلة، فقالت مبتسمة أمام الرْكبْ : “اتركوا لي هذه ـ الهداوية ـ في إشارة منها للبغلة” فضحك الجميع لهذا الإختيار،  ومن تم حملت ذات اللقب يقول الشيخ عمر. مؤكدا أن “الشيخة عبوش الهداوية، كانت مبدعة وفنانة تلتقط الإشارات وتبعت بالرسائل في جلساتها الطربية، وتمتاز بالنظم التلقائي وليد اللحظة، وكانت تجدد في غنائها في تلك الفترة، حسب ظروف ليالي السمر الغنائية”.

ومن غرائب هذه المرأة ودائما حسب رواية الشيخ عمر الزيدي أنها كانت تتلقى دعوات عائلة القايد حجي رفقة مجموعتها الغنائية بعد صلاة العشاء باستمرار لأداء فقرات غنائية أمام ضيوف القصبة، لكنه حدث ذات ليلة بعد أن استعدت مبكرا للحفل، لم يتصل بها الرقاصْ، فانتظرت داخل مسكنها، وهي في كامل لياقتها، لباسا وعطرا وأناقة،… طال الإنتظار بعد صلاة العشاء، دون لأن يطرق بابها المرسول، فاستسلمت للنوم، (ماكاين فراجة الليلة). لكن جاءت الدعوة في آخر منتصف الليل، وتم إيقاظها من نومتها العميقة، فسألت الرقاص، “لماذا تأخرتم في سمر الليلة، وهل هناك مشكل ما حال دون الانضباط للوقت المعلوم ؟”، فأجابها المرسول قائلا: “لقد كانوا يستمعون لما يبثه “الراديو” من أخبار وأغاني، الجهاز العجيب الذي جيء به لقصبة القايد حاجي اليوم”.

استغربت الشيخة عبوش الهداوية لهذه الواقعة، وللجهاز الذي حل محلها وعطل ليلة السمر، وجلت في خاطرها اسئلة كثيرة حيرتها  وشغلت بالها، لكنها احتفظت بتساؤلاتها وشمرت على كتفيها وانطلقت نحو القصبة وفق حكي الشيخ عمر الذي أراد أن يجدد حبكة الرواية مؤكدا  “هذه الحكاية سمعتها من عدة مصادر من المنطقة”. واستطرد قائلا “دخلت عبوش وهي حائرة من أمرها، استقبلت كالعادة من طرف الحضور، وانطلقت ليلة السمر “لكن المرأة اختارت بأن تفتتحها بهذه الأبيات الزجلية انتقاما من الدخيل جهاز “الراديو”:

“الله يا القايد حجي

ملي ولا لحديد يهضر

الشيخة عبوش

الزواج ليها خير

أنا عبوش

الزواج ليا خير

والا نمشي نسرح لبقر.”.

(4)

في اعتقادي يقول صقر العيطة الشيخ عمر الزيدي الذي رضع الحليب من ثدي والدته خديجة بنت عباس التمري، ودون تعصب لانتمائه لجدور أولاد زيد أصل مسقط رأس والدهامبارك بن أحمد الزيديأن “العيطة العبدية، هي عيطة تمرية وليست حصباوية”. وفي هذا الصدد يعتبر أن سبب إلصاق وتداول اسم أغنية”الحصبة ولافة”من طرف الجمهور المغربي ومختلف الفنانين الشعبيين، بدل الاسم الحقيقي ” رجانا في العالي “،الحصباوية الأصل المكونة من سبعة فصول، وستة حطات، أنهحدث ذلك مع بداية تدشين وترسيخ هذا الاسم كعنوان للأغنية يوم سجل لأول مرة كل من ” الشيخين الرائدين الخماري ولبيض أسطوانتهما المشهورة،بالحصبة ولافة ” .

 ويحكي صقر العيطة قائلا ” كنت مرافقا للشيخين الخماري ولبيض آنذاك بعدما ألححت عليهما مرارا وتكرارا رحمهما الله بتسجيل أغانيهم العيطية، وفعلا اقتنعا بالفكرة، لكن حدث أن نطقا باسم الحصبة ولافة أمام صاحب استديو ـ اسطوانات بوسيفون ـ كإشارة منهما للعنوان خلال مفاوضات التسجيل وأتعابه المادية، فقرر هذا الأخير كتابة ذلك على ظهر الاسطوانة كاختيار فني يربط بين موضوع الأغاني والمجال الجغرافي الذي ينتميان إليه، ومن تم ترسخت في ذهن المتلقي الذي عمل على ترويج منتوج الشيخين، بهذا الاسم المنحوت على الاسطوانة، وهذا هو أصل قصة التسمية ـ الحصبة ولافة ـ “

 وفي هذا السياق يؤكد صقر العيطة،من خلال نقاش متمر ورائع حول مساره الفني والإبداعي، أن كلام/أغاني العيطة ورسائلها المشفرة،وصورها الشعرية الجميلة، تنطق”بالدلالي والرمزي، بالباطن والظاهر، رغم أن تداولها الشفاهي عرف التحريف والزيادة والنقصان لعدة عوامل ذاتية وموضوعية .مع العلم أنهناك أبيات شعرية واضحة المعنى لا تحتاج إلى مجهود لتفسيرها،ولا يمكن المرور عليهاوتجاهلها كمحدد لتفسير المعنى بدقة، وتحديد الظروف الموضوعية المحيطة بإنتاج النص الشعري / الغنائي، على جميع المستويات ” يقول الصقر.

وحسب حكي الشيخ عمر فإن ” مجال أرض الحصبة بجغرافية عبدة الساحرة، تم إهدائه للمستعمر الفرنسي من طرف القائد أحمد ولد عيسى بن عمر، وهذه التهمة المنسوبة له، هي سبب نظم جزء من أبيات شعر وغناء العيطة الحصباوية، وأحد أهم أسباب نزولها” ويستدل في هذه الواقعة بقول الناظم (ة) ” الحصبة ولافة وسروتها عطابة” مفسرا هذه الجملة الشعرية بكون أن ” الإنسان العبدي بمجال منطقة الحصبة في تلك الحقبة التاريخية لم يرقه فعل القائد أحمد بن عيسى بن عمر، وساد نوع من التدمر في الأوساط الشعبية ” على اعتبار يضيف الصقر بأن ” أرض الحصبة المعطاء، لها ارتباط وتيق بالإنسان العبدي، ولا يمكن أن يفرط في شبر من تربتها، وكل من تواطأ مع المستعمر الغاصب ومنحه شبرا منها فمآله العطب ” وقال تحديدا في تفسير ذات المضمون ” أن فرسان القبيلة العبدية، وخيولهم الشريفة ( سروتها عطابة )، لن يتنازلوا عن الأرض الحاضنة لهم، وسيدافعون عنها بالغالي والنفيس، وأن سروتهم عطابة، ستصيب الغاشم في مقتل طال الزمن أم قصر “.

من هنا يخلص الشيخ عمر الزيدي في حكيه الشيق، إلى رأيه الشخصي والذي يدافع عنه وفق مضمون الأغنية، بحيث يعتقد جازما أن العيطة ليست حصباوية وإنما هي عيطة تمرية ويستند في ذلك إلى البيت الشعري الذي ورد في الأغنية” الحصبة زينت السمية، والعيطة تمرية “

– ملاحظة : تبعد منطقة الحصبة عن مدينة أسفي بحوالي 38 كلم، ومن تربة أرض الحصبة داع صيت شيخ الشيوخ الفنان السي محمد الدعباجي، الذي تتلمذ وحفظ العديد من العيوط على يد الشيخ لشهب. وخصوصا عيطة الرادوني الصعبة المنال. فمن هو الشيخ لشهب وما هي علاقته بالشيخ الدعباجي.؟

(5)

في حديثنا عن الشيخ الدعباجي وشيخته الرائدة عيدة، تكلم صقر العيطة السي عمر الزايدي بكثير من العشق، والتقديس والاحترام عن هذا الثنائي الفني الرائع، الذي بصم مساره على مستوى فن العيطة، وقال “الشيخ السي محمد الدعباجي كان شخصية جد محترمة، ومحبوبة من طرف عشاق العيطة، شخصية جمعت بين الإنسان المتواضع، وبين علو كعب الفنان على مستوى الإيقاع والعزف والغناء، وعشق الطرب والتراث الغنائي العيطي، شخصية كان لها الفضل الكبير في تحبيب العيطة داخل بيوت المغاربة”.. ويشدد الشيخ عمر في هذا السياق على أن “الدعباجي استطاع بأدائه المتميز لفن العيطة رفقة شيخته الثانية لالة عيدة. أن يستقطبا جمهورا واسعا من العشاق بفضل حنكتهما في مجال تاشيخات”. وأكد الزيدي على أن السي محمد الدعباجي وجد في الشيخة عيدة كل “مكونات المرأة المحترمة، والفنانة الشغوفة بحفظ واتقان العيطة الحصباوية”. وأضاف أن الدعباجي وجد فيها أيضا “تلميذة لامعة، تجيد الإصغاء، والحفظ، وتقاسما حب العيطة بدون طمع، وبدون لهات وراء المال، واستطاعا أن يشيدا صرحهما الفني، ويعززا مكانتهما الاعتبارية فنيا رغم ظروفهما الاجتماعية الصعبة، وسجلا حضورهما في قلوب المغاربة سواء في الأعراس والحفلات أو الجلسات الخاصة المميزة”.

ينحدر الشيخ السي محمد الدعباجي، الذي وافته المنية سنة 1997 بأسفي، وحسب الكاتب الباحث أحمد الشتيوي، فإن الدعباجي من “مواليد سنة 1910 بدوار الدعابجة بمنطقة الحصبة التي تبعد عن مدينة أسفي بحوالي 38 كلم، حيث بدأ مشواره الفني كعازف على الطعريجة، قبل أن ينتقل للعزف على آلة “الكمنجة” متشربا متون العيطة الحصباوية وإيقاعاتها على غرار رواد هذا الفن بمنطقة الحصبة كالشيخ إدريس بن دحان الذي لم يحترف الغناء، والشيخ أحمد ولد سي صالح، والشيخة “نُصْ بْلاصة” والشيخة “عينين لغنم”. لقد اعطى الشيخ الدعباجي الكثير للعيطة الحصباوية، فيكفي أن نذكر أن عيطة الرادوني مثلا وهي من أطول العيوط وأصعبها، والتي كان الشيخ الدعباجي يؤديها ببراعة وإتقان لا نظير له، لم يجرؤ أي شيخ من شيوخ هذا الوقت على أدائها باستثناء القليل ولكن بكثير من التكلف والنقص والتشويه”.

لكن الفنان المبدع السي عمر الزيدي، يستدرك في حكيه الشيق ما قالته له الشيخة عيدة ذات جلسة تواصلية، مصرا على أن الشيخ الدعباجي “كان في بداية مشواره الفني ضابط إيقاع ممتاز جدا، (طعايرجي) وكان يرافقه في الإيقاع ضمن مجموعة يرأسها أحد الشيوخ  كعازف على الكمان، الشيخ أبا لشهب”. هذا الأخير حسب صقر العيطة “هو الذي لقن أصول فن العيطة للشيخ الدعباجي، ويعتبر معلمه الأول دون منازع، ومرجعه الأساسي في أغلب العيوط الصعبة المنال، وخصوصا عيطة سيدي حسن، وعيطة الرادوني”، حسب قوله.. “الدعباجي علمه أصول الغناء أبا لشهب رحمه الله، بحكم أنه كان يحفظ جميع لعيوط، ويضبط، إيقاعاها وعزفها، وكلماتها”. أضف إلى ذلك يقول السي عمر “كان أبا لشهب عضوا رئيسيا في الفرقة (الرباعة)، وكان مغنيا رائعا، يجيد أداء العيطة، ويمتاز بصوت حاد جدا، ويتجاوب مع الصوت الأجش ـ لحرش ـ للدعباجي، حيث كانا يشكلان ثنائيا رائعا في التناوب بين الصوتين الساحرين، بمعية الشيخة عيدة”. هذه الأخيرة، حسب حكي صقر، العيطة أكدت “أن الدعباجي حفظ عن ظهر قلب عيطة سيدي حسن وعيطة الرادوني عن الشيخ أبا لشهب”.

وفي سياق حديثنا عن عيطة الرادوني أكد صقر العيطة السي عمر الزيدي قائلا بأن “عطية الرادوني هي أصل العيطة العبدية، وتسمى ببرغالة، ولها أيضا اسم آخر هو (الخيل أوين)”. وتعتبر الرادوني، حسب الصقر، من أرقى أشكال فن التعبير الغنائي، وأصعب الأغاني العيطية “هي الرحم الولاد، الذي أنجب أغاني العيطة، وتفرعت منها أغانيها الجميلة بمجال منطقة عبدة”.. ويمضي في حديثه قائلا “أغلب أغاني عيوط المرساوي تتضمن قتيبات مأخوذة من عيطة الرادوني، ونفس الشيء يسري على أغاني العيطة الحصباوية، والحوزية كذلك …”

وتفاعلا مع حلقات سفرنا الفني مع الشيخ عمر الزيدي التماني عبر مجال عبدة الساحرة، أكد الشاعر الحمري الزجال الأستاذ إدريس بلعطار أن الباحث الأستاذ بوحميد يعتبر أن عيطة الرادوني تتوفر على “عْتوبْ” مرساوية لكنها لم تكتمل.. مؤكدا على أن “النمط الحمدوشي تم تركيبه في ذات العيطة من طرف أهل الحصبة، خلاف العيطة المرساوية التي يغيب فيها الإيقاع الحمدوشي..” ، وأصر على أنه يحترم كل الآراء في تصنيف العيطة، على اعتبار أن هناك اختلاف حول مسألة أن الرادوني هي أم لعيوط”.. هناك من يقول بأن الحصبة/ رجانا في العالي، هي أم العيوط، وهناك من يدافع عن عيطة خربوشة بأنها رافعة لواء العيطة لأنها تتضمن نفسا ملحميا وبطوليا، وتؤرخ لمرحلة تاريخية من مراحل المقاومة ضد الظلم والطغيان”.

ملاحظة: (القتيبة هي توشيحة تقاسمتها العيطة مع الطرب الأندلسي، فيها لحن وإيقاع وكلمات معينة منسجمة مع اللحن والإيقاع الذي تتركب عليه الكلمات، وقد تتكون العيطة من قتيبة أو أكثر (من 1 إلى 9)، الرادوني تتضمن 9 قتيبات، وكل قتيبة لها لحنها وإيقاعها وكلماتها، والانتقال من قتيبة لأخرى يتطلب “حطة”، والحطة هي التي تقوم بعملية الربط بين القتيبات…

عن أنفاس بريس :  التقاه : أحمد فردوس
*نشر موزعا على 5 حلقات بجريدة انفاس بريس
الثلاثاء 02 ربيع الاول 1439 هجرية / 21 نونبر 2017.