في وجه من وجوه العدمية المألوفة في تاريخنا، ليس في الأخيرة مثقال ذرة من أخلاق الاعتراف بجميل ما يصنع الخصوم المعاصرون؛ فهؤلاء، لأنهم خصوم، لا ينبغي أن يصرف أي انتباه إلى ما عساه يكون- في حسبان آخرين- صنيعاً محموداً منهم يحسب لهم، لما قد يضمره الانتباه ذاك من تسليم باتّضاع الأنا أمام الصنيع الذي يحسب لهم أو، على الأقل، بتواضع ما يطلبه زيد أمام ما قدمه عمرو! والعدمية عارية من أخلاق الاعتراف لأنها عارية من النزعة التاريخية، ومن قيم النسبية والموضوعية.

وهكذا لا يعظم على المصابين بداء العدمية السياسية أن ينكروا على خصومهم المعاصرين نجاحهم في كسب معركة اجتماعية أو «رهان» سياسي ما، بل ولا يتحرجون في أن يقدموا ما أنجزه الخصوم أولاء بما هو فعل شكلي منقوص لا طائل من ورائه؛ فتراهم يبتخسون قدره، ويطعنون على نواياه، وينقبون فيه عن وجوه العيب والعوار، ويشككون في جدواه…، سعياً في تحطيم صورة من صنعه ومحو آثار إنجازه. هكذا يقابلون التراكم بالهدم، والإيجاب بالسلب، والإنجاز بالنفي، والتفعيل بالتخذيل، والتأميل بالتحبيط، والتحسين بالتقبيح، والنجح بالقدح…، وكل ذلك من أجل إعدام وجود الغير ووضع سهمه ضعة محو وإلغاء، لئلا يبقى في الصورة غير العدم!

إذا كان الشكل الأول من العدمية السياسية يجري في الحال التي تكون فيها العلاقة بين التيارات السياسية حال تعاقب، يجب فيها اللاحق السابق ويعدمه، فإن الشكل الثاني منها يجري في الحال التي تكون العلاقة بينها علاقة تزامن. وليس الفارق بين الحالين شكلياً تماماً بحيث يتجوز معه أن يختزلا في صورة للعدمية السياسية واحدة؛ وبيان ذلك أن التلاغي والتناكر (الإلغاء والإنكار المتبادلان) يمكن فهمهما- من دون تفهمهما- في نطاق علاقة التعاقب من زاوية أن تياراً يعقب في السلطة تياراً آخر، فيكون من «الطبيعي» أن يمحو دوره، ويسفه قضيته وسعيه، ويدعي لنفسه امتلاك المفاتيح والبدائل؛ فذلك من عدة اشتغال استراتيجية بناء المشروعية والشرعية عند كل تيار يتقدم للنهوض بدور.

غير أن هذا الذي قد يمكن فهمه في الحال تلك – التي يتوسل فيها كل شرعيته من طريق الطعن على خصمه-لا يصبح مفهوماً في الحال التي يخرج فيها الجميع من السلطة، ويسام خسفاً وضيراً، كما خرج الليبراليون والقوميون واليساريون والإسلاميون، وكما عرض لهم من العزل والتهميش ضروباً؛ فهم هنا «في الهم شرق»، واللحظة تدعو إلى إصغاء متبادل، وبحث عن القواسم والمشتركات، ولكن العقل العدمي لا يدع لأحد متسعاً للتدبر الحسن، فما هي إلا لحظة أخرى للإفصاح عن الوعي الطوبوي عينه، وعن إدراك مقفل لعالم زاخر بالتحولات والممكنات!

ليس الوجه الثالث من العدمية السياسية أسوأ وجوه هذه الأخيرة، ولكنه – قطعاً- أدل تلك الوجوه عليها. إنه ذاك الذي تفصح عنه داخل التيار السياسي الواحد! وهكذا، أكان التيار السياسي من هذا اللون الإيديولوجي أو ذاك (يساري، ليبرالي، إسلامي، قومي…)، فإن مكوناته الحزبية لا تجتمع بينها إلا على منازعة لا تنتهي؛ تحشد فيها أسلحة الإعدام كافة: من إسقاط الشرعية لزيد عن عمرو، إلى اتهامه بأسوأ التهم، إلى التكايد البيني،… فإلى التصفية المتبادلة إن أمكنت لكل فريق وسائلها! يكفي المرء منا أن يقرأ صفحات العلاقة التي نشأت بين الأحزاب الليبرالية في المجتمع الواحد (مصر، سوريا، العراق، لبنان…)، في حقبة العشرينات – الخمسينات؛ أو بين التيارات السياسية القومية (الناصرية والبعثية والقومية)، بل داخل التيار الواحد المنقسم على نفسه (البعث السوري، البعث العراقي، الأحزاب الناصرية المتنابذة في لبنان وسوريا، فروع «حركة القوميين العرب» المتراشقة بالاتهامات)؛ أو بين الأحزاب الشيوعية واليسار الجديد، وداخل الأحزاب الشيوعية كما داخل اليسار الجديد؛ في هذا البلد وفي ذاك، وأحياناً في البلد الواحد؛ وأخيراً بين الأحزاب الإسلامية («الإخوان» و«التحرير» و«السلفيين» والصوفية و-تالياً- «الجهاديين») في البلد الواحد..، يكفيه أن يقرأها ليقف على الدرجة المهولة من النظرة العدمية التي كان يلقيها كل حزب على «عشيرته الأقربين»، وليستدل بذلك على أن العدمية ليست اعتصاباً إيديولوجياً يلوذ به كل تيار في مواجهة خصمه المختلف (إيديولوجياً)، بل هي بالتعريف، ومن غير زيادة أو نقصان، مرض سياسي مزمن يصيب كل من يعاني نقصاً في المناعة التاريخية.

أخطر ما في العدمية السياسية، فضلاً عن خطاياها التي لا تحصى في السياسة، أنها تؤدي المصاب بها – عند لحظة من استفحال مفاعيلها في حياته النفسية – إلى اليأس السياسي، بل إلى اليأس من السياسة ! وما أكثر العدميين الذين انتهت بهم مستحيلاتهم العدمية إلى الاعتكاف في دورهم، يؤدون مهمتهم الطبيعية في التناسل، ويقتلون الوقت بالتفرج على مباريات كرة القدم!

 

الاثنين 08 ربيع الاول 1439 هجرية / 27 نونبر 2017.