من المؤكد أَن المظاهر السلبية، التي أخذت تتضاعف حدتها في مجتمعنا، خاصة لدى اليافعين والشباب، مثل العنف وشتى أنواع الانحراف، تقلق كثيرا المجتمع، الذي يقف عاجزا في التصدي لهذه التطورات المقلقة، وفي هذا الإطار تتناسل الأسئلة عن سبل الحد من هذا المنحى الخطير، الذي تسير نحوه الأمور.

وهنا يمكن الحديث، بالخصوص، عن أوضاع التنشئة الاجتماعية، في بلادنا، من حيث الظروف والمحيط والثقافة السائدة والوسائل المتوفرة، إلى غير ذلك من العوامل والأدوات التي تتدخل في هذه التنشئة، بالإضافة إلى مضامينها التربوية والثقافية، التي تحسم بشكل واضح في التوجه الذي يسير نحوه المجتمع.

من المعروف أن هناك عدة مؤسسات تساهم في هذه التنشئة، بتفاوت في قوة تأثيرها، بدءًا من الأسرة إلى المدرسة والمحيط الاجتماعي ووسائل الإعلام، وكذلك المؤسسات التربوية والثقافية الأخرى، الموازية، غير أن الذي يمكن تسجيله هو أن مختلف هذه الوحدات، لا تقوم بأدوارها كاملة أو أنها غائبة، تقريباً، خاصة في الأحياء الشعبية وفي الأوساط المهمشة والفقيرة.

هناك عدد لا يستهان به من الأسر عاجزة عن توفير تنشئة ملائمة، بسبب الجهل وظروف العيش الصعبة والتفكك الأُسَري، أحياناً، في محيط اجتماعي، يٓتّسِمُ هو أيضا، بمظاهر التهميش وسيادة قيم العنف والانحراف. مقابل كل هذا لم تتمكن أية مؤسسة أخرى، من تعويض هذا الخصاص، سواء تعلق الأمر بالمدرسة أو المسجد، في الوقت الذي يسجل فيه غياب شبه تام للمؤسسات الأخرى التربوية والثقافية، باستثناء ملاعب القرب، التي خففت نسبيا النقص في فضاءات الرياضة، لكنها تظل بعيدة عن القيام بدور قوي في التنشئة الاجتماعية.

أما بالنسبة لوسائل الإعلام والتواصل، فإن تأثيرها محدود، باستثناء الشبكات الاجتماعية، التي تلعب دوراً متناقضاً، وقد تستعمل هي بدورها لترويج ثقافة العنف المعنوي والسب والقذف وتصريف مشاعر العدوانية.

هناك أرضية خصبة لتطور ثقافة العنف والانحراف لدى العديد من الأوساط، في غياب تام لأية استراتيجية متكاملة، لتوفير تنشئة اجتماعية ملائمة، فإذا كانت بعض الأسر عاجزة، بسبب ظروفها الصعبة، فإنه من المفترض أن تقوم مقامها مؤسسات أخرى، مثل المدرسة والمؤسسات التربوية والثقافية الموازية، التي تكاد تنعدم حتى في أرقى الأحياء المغربية.

 

الاثنين 8 ربيع الاول 1439 هجرية / 27 نونبر 2017.