لم يبتلع بحر حشودا بشرية، بالجملة، منذ بداية هذا القرن وربما في التاريخ، كما ابتلعها البحر الأبيض المتوسط خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة، إنه، بحق، البحر الأكثر دموية في العالم، بل هو مقبرة بلا مقابر، تلتهم فيه الأمواج هذه الحشود بالجملة والتقسيط ثم تلفظها لتطفو، أحيانا، على سطحه أو جثثا هامدة بالشواطئ، وفي أحيان كثيرة تصبح في عداد المفقودين.

هذه الحشود هي لمهاجرين أرادوا عبور المتوسط إلى أوروبا بعدما أنهكتهم الصراعات المسلحة وموجات الجفاف والمجاعة والأزمات الاقتصادية، ولم يجدوا سوى الهجرة سبيلا من أجل البقاء على قيد الحياة أو مغادرة هذه الحياة . وفي محاولاتهم العبور إلى الضفة الشمالية كتبوا إحدى صفحات أكبر مآسي القرن الحالي، والأرقام التي كشفت عنها المنظمة الدولية للهجرة في نهاية الأسبوع تبرز حجم هذه المآسي وهولها: لقد غرق ما يقارب 34 ألف شخص، على الأقل، في الفترة مابين 2000و2017، عدد يخص فقط الذين تم الإبلاغ عن وفاتهم، أما الحقيقة فهي أكبر من ذلك بكثير.

لقد تواصلت ظاهرة الهجرة بشكل مضطرد في السنوات الأخيرة من طرق بحرية عدة، ويكفي أن نشير إلى أن 161 ألف شخص وصلوا إلى أوروبا هذه السنة، وأن أكثر من ثلاثة آلاف قضوا غرقا في نفس الفترة، وأن عشرات إن لم نقل مئات الآلاف من الحالمين بالقارة العجوز يوجدون في «قاعات الانتظار»، من الشمال الغربي للقارة الإفريقية إلى شرقها .

هاته الأرقام نشرتها المنظمة الدولية للهجرة (وهي تابعة للأمم المتحدة) عشية القمة الخامسة بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي بأبيدجان، خلال اليومين القادمين، وهما معا المعنيان الرئيسيان بالظاهرة ، وهما معا كتجمعين إقليميين أو كدول أعضاء على عاتقهم البحث عن الحلول للحد من هذه المآسي والتي كشفت عن حقائق عدة أبرزها:

أن هناك اليوم شبكات للاتجار بالبشر تنشط بالقارتين، لها ارتباطات سياسية وإدارية وتجني أموالا طائلة من خلال «تهجير» الناس وإيصالهم عبر مختلف الوسائل حتى ولو كانوا جثثا إلى أوروبا.

وهذه الهجرة من عمق القارة إلى شمالها أعادت الروح إلى ممارسة وسلوك مقيت يتمثل في العبودية، وخير مثال على ذلك ما اطلع عليه العالم قبل أيام من بيع بالمزايدة العلنية لأفارقة بليبيا.

والهجرة الإفريقية تعد اليوم من أبرز مقاييس معرفة مدى احترام المجتمعات للآخر مهما كان عرقه أو لونه أوديانته …إنها تكشف هل لا يزال للعنصرية والكراهية وجود بهذه المجتمعات أم أن حقوق الإنسان حقيقة، سلوكا وخطابا وممارسة.

وهذه الهجرة كشفت كذلك ازدواجية الخطاب الأوروبي وانتهازيته، في وجهه السياسي يعلن تدابير وتشريعات وإجراءات، وفي وجهه الحقيقي يسعى إلى استقطاب المهاجرين أطرا من أطباء ومهندسين وكفاءات متعددة الاختصاصات ويدا عاملة، ليسد فراغات مجتمعية واجتماعية في الحاضر والمستقبل، بسبب أوضاع الهرم السكاني للقارة الأوروبية .

إن موضوع الهجرة بأسبابها ومآسيها وتداعياتها يجب أن يكون حاضرا بالقمة الإفريقية الأوروبية، وأن تتم مناقشته بكل روح المسؤولية والجدية لإيجاد حلول جذرية، ولعل أحد أبرز وأهم هذه الحلول هو المساعدة الحقيقية لتنمية إفريقيا لخلق سبل الاستقرار، تنمية منتجة لفرص الشغل وللثروة وتحفظ الكرامة الإنسانية .

إن إفريقيا ضحية تاريخية لأوروبا، فهذه الأخيرة باستعمارها لجل دول القارة وباستمرارها في خلق أنظمة كحارس لمصالحها، وباستغلالها لخيرات الشعوب الإفريقية، صنعت خرائط سياسية لها مسؤولية كبرى في أوضاع الفقر والهشاشة والتوترات والنزاعات المسلحة …لذلك عليها أن تساهم وبروح المسؤولية في هذه التنمية.

 

الاثنين 08 ربيع الاول 1439 هجرية / 27 نونبر 2017.