من بين القضايا المهمة التي أصبحت مطروحة في الساحة، بعد فاجعة الصويرة، التي توفيت فيها15 امرأة وسقط عدد آخر من المصابات،هي كيفية التعامل مستقبلا مع العمليات الإحسانية، على مختلف المستويات، سواء كفلسفة لمعالجة مشاكل الفقر والهشاشة أو كإجراءات وآليات، على الصعيد العملي، خاصة وأن ما حصل يستدعي تقييما حقيقيا، وليس المرور كما لو كان حادثا عاديا، يمكن أن يطويه النسيان.

وإذا كانت الممارسة الإحسانية، هي من صميم كل الديانات السماوية، فإن التحول الذي حصل في العديد من البلدان العربية، هو أنها أصبحت بديلا للسياسات العمومية لمحاربة الفقر والهشاشة، في الكثير من الأحيان، بل أكثر من ذلك فقد استغلت بعض التيارات الأصولية، مثل جماعة « الإخوان المسلمون»، في مصر، ضعف تحمل الدولة لمسؤولياتها تجاه الفئات الهشة والفقيرة، في الصحة والتعليم والمعيش اليومي، لتتدخل بوسائل الإحسان، وتقيم شبكة من المؤسسات والقواعد، لبسط نفوذها السياسي والإيديولوجي.

فقد تجاوزت المسألة، عملياً، موضوع الإحسان بمفهومه الديني، لتصبح أداة سياسية، قصد الاستيلاء على السلطة، بمساعدة «المحسنين»، بغض النظر عن مصادر أموالهم، وبدعم من جهات خارجية، أقلها واضح، وأغلبها يمر عبر مؤسسات أجنبية، خاصة في بريطانيا وغيرها من بعض الدول الغربية، حيث كان الهدف هو نسج شبكة من الآليات لحشد الأنصار، عبر توزيع المساعدات والخدمات.

لذلك، فإن مراجعة وتقييم النشاط «الإحساني»، ليس الهدف منها ضرب بعده الديني والأخلاقي، بل تجنب الأفعال التي قد يختفي وراءها هذا النشاط، والتي بَيَّنَت التجربة في بلدان أخرى، أنه لم يقف عند هذا البعد، بل تجاوزه إلى السمسرة في الفقر وفي البشر، للحصول على النفوذ السياسي، في انتهاك تام للقوانين وللأعراف الديمقراطية وللقيم الأخلاقية.

والأخطر من كل هذا، محاولةُ إعطاء بعد «فلسفي» لهذه الأفعال، لتصويرها كما لو كانت بديلا عن قيم التضامن والحماية الاجتماعية والتنمية والعدالة في توزيع الثروة وغيرها من مبادئ المساواة…التي ينبغي أن تتحمل فيها الدولة مسؤوليتها وكذلك مختلف المؤسسات، لتحفظ كرامة البشر، أولاً، ولتجنبهم بيع أصواتهم الانتخابية أو التبعية لطرف من الأطراف، بسبب الخصاص والحاجة.

 

الخميس 11 ربيع الاول 1439 هجرية / 30 نونبر 2017.