ليس في الأمر أسطورة شرقية، كما يليق بكل حكايات فنون الحرب الخاصة بالمدربين الكبار، تجعل من ملك المغرب قائدا قادرا، بسلطة الحضور وحده، أن يحقق حياد أكبر الخصوم..
لكن من المحقق أن الأسلوب في الاقتراب من الخصوم – الأعداء، أحسن الخصوم أو العدو اللدود من بينهم، خيار يتطلب قوة في الروح
وقوة في المبادرة..
وقراءة مغايرة تماما لما دأبت عليها الدبلوماسية..

نحن أمام شيء لم يكن من المنتظر أن يقع.. فوقع:

لقاء ملك المغرب مع قائد آخر قلاع الدبلوماسية المحببة لدى الانفصاليين الصحراويين، أي جنوب إفريقيا.
ثم بعدها، اللقاء مع الرئيس الأنغولي، والذي حول بلاده إلى مهد دائم لثورة وهمية….
لكن في جنوب إفريقيا، حكمة أطلقها نيلسون مانديلا، في كتابه ” “طريق طويل إلى الحرية” “، والذي تشرفت بترجمته حين صدوره بطبعته الفرنسية على صفحات الجريدة، يقول فيها الزعيم التاريخي ” ” من أجل صناعة السلام مع العدو لا بد من أن نعمل مع هذا العدو و سيصبح شريكا””..

أعتقد أن ما يقترحه الملك، باسم المغرب والمغاربة، هو صناعة شيء مشترك يتجاوز فيه حقه في الغضب ممن ناصبوه العداء..
وحقه في أن ينحاز دوما إلى أصدقائه باعتبارهم أصدقاء لا غبار عليهم..
غير أنه أيضا كسر قاعدة «أعداء لا غبار عليهم» des adversaires acquis!
ولنعترف بأن الكثيرين منا لم يكونوا يتوقعون ذلك أو على الأقل ليس قبل أن تبدو بعض عناصر التحول في العاصمة بريتوريا..
ومع ذلك، تمت خلخلة أفق العادة، واستقبل الملك الرئيس زوما، الذي لم يبخل علينا أبدا بدعم لا مشروط للانفصال، وأراد أن يحول، عبر السيدة زوجته، بلاده إلى منصة متحركة ضد البلاد..
بلادنا!
وفي الوقت الذي لم نكن ننتظر تحولا جذريا، اقترح الملك على هامش المؤتمر الأوروبي – الإفريقي شراكة عمل ، بحيث يتم رفع مستوى التمثيلية بين البلدين ثم تم تحديد مواعيد للزيارات المتبادلة.
قبل ذلك، كانت موازين القوى قد تغيرت وكان من الممكن للمغرب أن يكتفي بما حققه ضد جنوب إفريقيا لكن يبدو أنه يسعى إلى ما هو أكبر من ذلك، أي إلى ما يمكن أن يتحقق معها….
وليس هناك ما فعله المغرب في إفريقيا، لم يكن السادة الخصوم على علم به، وهي حكمة إغريقية قديمة، تدفع صاحبها إلى أن يقوم بما يقوم به ويحرص على أن يعرف عدوه أو خصمه بذلك..
كما أنه ليس هناك مما فعله الخصوم لم تكن بلادنا على علم به..
في سياق الحكمة نفسها!
غير أن هناك تحولات، من المحقق أن المغرب ساهم ويساهم
في خلقها منذ انخرط في قراءة جديدة للتموقعات الجديدة في القارة، بناء على تحليل رفيع للمتغيرات الجيواستراتيجية..
ليس هنا مجال للعودة إلى ما تم ضدنا أو بنية إقصائنا وعزلنا..
لكن الحدث له ما بعده ولا شك.. وقد لا تكون لانغولا نفس القوة في ميزان السياسة سواء إفريقيا أو إقليميا… أو دوليا.
لكن أنغولا، كانت مهد الكثير من الأوهام، وإلى حدود الأسبوع المنصرم كان الانفصاليون يعتبرون لواندا عاصمة ثانية لهم!
بل اعتبرت أنغولا أن معركتها، وهي عضو في مجلس الأمن، هي أن تطرد المغرب من روحه في الجنوب..
غير أن أنغولا، التي يعبر بها الأطفال المهجرون من تندوف إلى كوبا، تكتسب كل وزنها عندما نقرؤها من زاويتين :
الأولى الزاوية الكوبية، والتي قام فيها الملك بنفس الخطوة
ونفس الاختراق (انظر مقالنا إنها كوبا يا مولاي)..

ومن زاوية إفريقية باعتبارها بلادا من أصل 13 دولة ما زالت تعترف بالجمهورية الوهمية مثلها مثل جنوب إفريقيا..
إلى جانب الدول التي تساندها، مساندة لامشروطة:
زامبيا
تانزانيا
الملاوي
الموزمبيق
ناميبيا
انغولا
نيجيريا
أثيوبيا
فنيجيريا بعيدة اليوم كل البعد عن تاريخها القريب في دعم الانفصال وأثيوبيا، كذلك بفضل الدبلوماسية الاقتصادية، وقد شعرت جنوب إفريقيا والجزائر أن المحور المنطلق من الجزائر إلى بريتوريا، قد انكسر في العمود عند نيجيريا، وتكسر من جهة الحديقة الخلفية في إثيوبيا..
زد على ذلك أنه، مع تحييد جنوب إفريقيا وأنغولا، لن تبقى سوى دول قليلة يمكنها أن تساير الطرح بحذافيره..
ولا يمكن أن يقف المغرب عند منتصف المحور، بل لا بد له من الوصول إلى أقصاه، أي جنوب إفريقيا لكي ينتهي تماما..

 

الاحد 16 ربيع الاول 1439هجرية / 03 دجنبر 2017.